يوجد نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين ، فتصير له بمجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود.
ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى ، قال مبينا لخصوصيته واصفا لمصدر (أَحْلَلْنا) مفخما للأمر بهاء المبالغة ملتفتا إلى الخطاب لأنه معين للمراد رافع للارتياب : (خالِصَةً لَكَ) وزاد المعنى بيانا بقوله : (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي من الأنبياء وغيرهم ، وأطلق الوصف المفهم للرسوخ فشمل من قيد بالإحسان والإيقان ، وغير ذلك من الألوان ، دخل من نزل عن رتبتهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم موافقة ، وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلىاللهعليهوسلم وأقول : أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها ، فلما نزلت (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ) قلت : يا رسول الله ، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (١).
ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة ، ليمنع غيره من ذلك ، علله بقوله : (قَدْ) أي أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد (عَلِمْنا ما فَرَضْنا) أي قدرنا بعظمتنا.
ولما كان ما قدره للإنسان عطاء ومنعنا لابد له منه ، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَيْهِمْ) أي المؤمنين (فِي أَزْواجِهِمْ) أي من أنه لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود ، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين. ولما كان هذا عاما للحرة والرقيقة قال : (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) أي من أن أحدا غيرك لا يملك رقيقة بهبتها لنفسها منه ، فيكون أحق من سيدها.
ولما فرغ من تعليل الدونية ، علل التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله : (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) أي ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة. ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم أعلى الناس فهما وأشدهم لله خشية ، وكان يعدل بينهن ، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» خفف عنه سبحانه بقوله : (وَكانَ اللهُ) أي المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة وغيرها أزلا وأبدا (غَفُوراً رَحِيماً) أي بليغ
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٨٨ و ٥١١٣ وأحمد ٦ / ١٣٤ و ١٥٨ و ٢٦١ من حديث عائشة.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
