ولا تنبت كلاء ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١) ولما كان الأمر كذلك ، عطف على قوله : «ينصر من يشاء» وقوله : (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى) أو على ما تقديره تسبيبا عن قوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ :) فلقد أرسلناك بشيرا لمن أطاع بالخير ، ونذيرا لمن عصى بالشر ، قوله مسليا لهذا النبي الكريم ، عليه أفضل الصلاة والتسليم ، وأتباعه ، ولفت الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء سياق الانتقام لها ، وأكد إشارة إلى أن الحال باشتداده وصل إلى حالة اليأس ، أو لإنكار كثير من الناس إرسال البشر : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) بما لنا من العزة.
ولما كانت العناية بالإخبار بأن عادته ما زالت قديما وحديثا على نصر أوليائه ، قال معلما بإثبات الجار أن الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل ، أو أن الكلام في خصوص الأمم المهلكة : (مِنْ قَبْلِكَ) مقدما له على (رُسُلاً) أو للتنبيه على أنه خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قبل زمانه ، وقال : (إِلى قَوْمِهِمْ) إعلاما بأن بأس الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد ، وزاد في التسلية بالتذكير إشارة إلى شدة أذى القوم لأنبيائهم حيث لم يقل «إلى قومها».
ولما كان إرسال الله سببا لا محالة للبيان الذي لا لبس معه قال : (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين (فَانْتَقَمْنا) أي فكانت معاداة المسلمين للمجرمين فينا سببا لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة (مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) لإجرامهم ، وهو قطع ما أمرناهم بوصله اللازم منه وصل ما أمروا بقطعه ، فوصلوا الكفر وقطعوا الإيمان ، فخذلناهم وكان حقا علينا قهر المجرمين ، إكراما لمن عادوهم فينا ، وأنعمنا على الذين آمنوا فنصرناهم.
ولما كان محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به ، قدمه تعجيلا للسرور وتطييبا للنفوس فقال : (وَكانَ) أي على سبيل الثبات والدوام (حَقًّا عَلَيْنا) أي بما أوجبناه لوعدنا الذي لا خلق فيه (نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) أي العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرة ، فلم يزل هذا دأبنا في كل ملة على مدى الدهر ، فإن هذا من الحكمة التي لا ينبغي إهمالها ، فليعتد هؤلاء لمثل هذا ، وليأخذوا لذلك أهبته لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء؟ والآية من الاحتباك : حذف أولا الإهلاك الذي هو أثر الخذلان لدلالة النصر عليه ، وثانيا الإنعام لدلالة الانتقام عليه.
__________________
(١) أخرجه البخاري ٧٩ مسلم ٢٢٨٢ وأحمد ٣٩٩٤ عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
