بخشبة الصليب ، وكانت قد دفنت في بستان في تابوت من ذهب وزرع فوقها مبقلة فدلوه عليها فحفر واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في سنة أربع وعشرين من ملكه ، وأما القائد الثاني ـ وكان يقال له : شاهير ـ فسار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد النوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة الإسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه ، وأما القائد الثالث ـ وكان يقال له : فرهان ـ فإنه قصد قسطنطينية حتى أناخ قريبا من ماء وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق ـ يعني الملك الذي كان نصره ، وفعل هذا لأجل ابنه ، وانتقاما له منهم ، ولم ينقد لابن الملك الذي فعل هذا لأجله أحد من الروم ، لأنهم لما قتلوا الملك قوفا ملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل ، ثم اتفق ابن الفرات وابن فتحون فقالا : فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلهم مقاتلتهم ، وسبيهم ذراريهم ، واستباحتهم أموالهم ، تضرع إلى الله تعالى ، وأكثر الدعاء والابتهال فيقال : إنه رأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه ، فدخل عليهما داخل ، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل : إني قد سلمته في يدك ، فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته حتى توالت عليه أمثالها ، فرأى في بعض لياليه كأن رجلا دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس الرفيع عليه ثم دفعه إليه وقال له : ها قد دفعت إليك كسرى برمته ، وقال ابن الفرات : فاغزه فإنك مدال عليه ، ونائل أمنيتك في غزاتك ، فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم منهم ، فأشاروا عليه أن يغزوه ، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية ، وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز صاحب كسرى ، وسار حتى دخل في بلاد أرمينية ونزل بنصيبين بعد سنة ، وقد كان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه ، وأما شهربراز فكانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به ، وترك البراح ، ثم بلغ كسرى تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له : راهزاد في اثني عشر ألفا من الأنجاد ، وأمره أن يقيم بنينوى وهي التي تدعى الآن الموصل ـ على شاطىء دجلة ، ويمنع الروم أن يجوزوها ، وكان كسرى بلغه خبر هرقل وأنه مغذ وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك ، فتعذر راهزاد لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس ، فأذكى راهزاد العيون عليه فانصرفوا إليه فأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل ، فأيقن راهزاد أنه ومن معه من الجند عاجزون عن مناهضته ، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم ، لكثرتهم وحسن عدته ، قال ابن الفرات :
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
