منه ، وتشريعا للتعمية إذا قادت إليها مصلحة ، وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب متواصلة ، وزحوف متكاثرة ، في دهور متطاولة ، إلى أن التقوا في السنة الثامنة من نبوة نبينا صلىاللهعليهوسلم في زمن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ، فظفرت فارس على الروم ، أخرج سنيد (١) بن داود في تفسيره والواحدي في أسباب النزول والترمذي في تفسير سورة الروم من جامعه وغيرهم ، وقد جمعت ما ذكروه ، وربما أدخلت حديث بعضهم في بعض. قال سنيد عن عكرمة : كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الأبطال ، فدعاها كسرى فقال : إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا ، وأستعمل عليهم رجلا من بنيك ، فأشيري عليّ أيهم أستعمل ، فأشارت عليه بولد يدعى شهربراز ، فاستعمله على جيش أهل فارس (٢) وقال الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه تجارب الأمم وعواقب الهمم : فقالت تصف بنيها : هذا فرحان أنفذ من سنان ، هذا شهربراز أحكم من كذا ، هذا فلان أروغ من كذا ، فاستعمل أيهم شئت. فاستعمل شهربراز ـ انتهى. وبعث قيصر رجلا يدعى قطمير بجيش من الروم ، فالتقى مع شهربراز بأذرعات وبصرى ، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب فغلبت فارس الروم وظهروا عليهم فقتلوهم وخربوا مدائنهم وقطعوا زيتونهم ، وبلغ ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه رضي الله عنهم وهم بمكة فشق ذلك عليهم ، وكان النبي صلىاللهعليهوسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم ، لأن فارس لم يكن لهم كتاب ، وكانوا يجحدون البعث ، ويعبدون النار والأصنام ، وفرح كفار مكة وشمتوا. قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما : وكان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب ـ انتهى. فلقي المشركون أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم فقالوا : إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ، ونحن أميون وأهل فارس أميون ، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم ، فإن قاتلتمونا لنظهرن عليكم. فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلىاللهعليهوسلم فنزلت الآية ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «أما إنهم سيغلبون في بضع سنين». قال الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما : فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا ، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا ، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلىاللهعليهوسلم فقال : «ألا جعلته إلى دون» يعني
__________________
(١) هو الإمام حسين بن داود المصيصي ، أحد العلماء ، وسنيد لقب له ، روى له ابن ماجه وغيره ، توفي سنة ٢٢٦.
(٢) انظر خبر ظهور فارس على الروم والعكس في جامع الترمذي ٣١٩٣ و٣١٩٤ وأسباب النزول للواحدي ٦٧٤ والطبري ٢٧٨٧٣ و٢٧٨٧٤ رووه عن ابن عباس وغيره.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
