كلمهم على ملة عبد المطلب ، وأبي أن يقول : لا إله إلا الله ، قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فأنزل الله عزوجل (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى) وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلىاللهعليهوسلم (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(١) ـ الآية ـ» انتهى وقال في كتاب التوحيد : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) قال سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه : نزلت في أبي طالب ، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم أمره بالتوحيد فقال : لو لا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية (٢).
ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى عليه الصلاة والسّلام ثم كفرهم به وبما هو أعظم منه ، وختم بأنه أعلم بأهل الخير وأهل الشر ، إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد ، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء ، قال دليلا على ذلك لأنهم إنما يتبعون أهواءهم ، عاطفا على قالوا (لَوْ لا أُوتِيَ وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ) أي غاية الاتباع (الْهُدى) أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك (مَعَكَ) أي وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس (نُتَخَطَّفْ) أي من أي خاطف أرادنا ، لأنا نصير قليلا في كثير. من غير نصير (مِنْ أَرْضِنا) كما تتخطف العصافير لمخالفة كافة العرب لنا ، وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعوا إلينا فيتخطفونا ، أي يتقصدون خطفنا واحدا واحدا ، فإنه لا طاقة لنا على إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض ؛ قال البغوي : والاختطاف : الانتزاع بسرعة.
ولما كان التقدير في الرد على هذا الكلام الواهي : ألم نحمك ومن اتبعك منهم وقد جئتموهم من الخلاف بمثل ما يخالفون هم ، به العرب أو أشد ، ولا نسبة لكم إلى عددهم ولا جلدهم ، عطف عليه قوله : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ) أي غاية التمكين (لَهُمْ) في أوطانهم ومحل سكناهم بما لنا من القدرة (حَرَماً آمِناً) أي ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها ، حتى أن سيل الحل لا يدخل الحرم ، بل إذا وصل إليه عدل عنه ؛ قال ابن هشام في استيلاء كنانة وخزاعة على البيت : وكانت
__________________
(١) أخرجه البخاري ١٣٦٠ و٣٨٨٤ و٤٦٧٥ و٤٧٧٢ و٦٦٨١ مسلم ٢٤ وأحمد ٥ / ٤٣٣ والنسائي ٤ / ٩٠ والطبري ١١ / ٤٢ والواحدي في أسباب النزول ص ١٨٧ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٩٧ كلهم عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه أحمد ٢ / ٤٣٤ و٤٤١ مسلم ٢٥ والترمذي ٣١٨٨ والطبري في التفسير ٢٠ / ٩٢ والبيهقي في الدلائل ٢ / ٣٤٤. ٣٤٥ وابن منده في الإيمان ٣٨ وابن حبان ٦٢٧٠ والواحدي في أسباب النزول ص ٢٢٨ كلهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
