(هاتَيْنِ) أي الحاضرتين اللتين سقيت لهما ، ليتأملهما فينظر من يقع اختياره عليها منهما ليعقد له عليها (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي) أي تجعل نفسك أجيرا عندي أو تجعل أجري على ذلك وثوابي (ثَمانِيَ حِجَجٍ) جمع حجة ـ بالكسر ، أي سنين ، أي العمل فيها بأن تكون أجيرا لي أستعملك فيما ينوبني من رعية الغنم وغيرها ، وآجره ـ بالمد والقصر ، من الأجر والإيجار ، وكذلك أجر الأجير والمملوك وآجره : أعطاهما أجرهما (فَإِنْ أَتْمَمْتَ) أي الثماني ببلوغ العقد بأن تجعلها (عَشْراً) أي عشر سنين (فَمِنْ) أي فذلك فضل من (عِنْدِكَ) غير واجب عليك ، وكان تعيين الثماني لأنها ـ إذا أسقطت منها مدة الحمل ـ أقل سن يميز فيه الولد غالبا ، والعشر أقل ما يمكن فيه البلوغ ، لينظر سبطه إن قدر فيتوسم فيه بما يرى من قوله وفعله ، والتعبير بما هو من الحج الذي هو القصد تفاؤلا بأنها تكون من طيبها بمتابعة أمر الله وسعة رزقه وإفاضة نعمه ودفع نقمه أهلا لأن تقصد أو يكون فيها الحج في كل واحدة منها إلى بيت الله الحرام.
ولما ذكر له هذا ، أراد أن يعلمه أن الأمر بعد الشرط بينهما على المسامحة فقال : (وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) أي أدخل عليك مشقة في شيء من ذلك ولا غيره لازم أو غير لازم ؛ ثم أكد معنى المساهلة بتأكيد وعد الملاءمة فقال : (سَتَجِدُنِي) ثم استثنى على قاعدة أولياء الله وأنبيائه في المراقبة على سبيل التنزل فقال : (إِنْ شاءَ اللهُ) أي الذي له جميع الأمر (مِنَ الصَّالِحِينَ) أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت وكل ما تريد من خير (قالَ) أي موسى عليهالسلام (ذلِكَ) أي الذي ذكرت من الخيار وغيره (بَيْنِي وَبَيْنَكَ) أي كائن بيننا على حكم النصفة والعدل والسواء على ما ألزمتني به لازما ، وما أشرت إلى التفضل به إحسانا ، وعليك ما ألزمت به نفسك فرضا وفضلا ؛ ثم بين وفسر ذلك بقوله : (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ) أي أيّ أجل منهما : الثماني أو العشر (قَضَيْتُ) أي عملت العمل المشروط علي فيه فقد خرجت به من العهدة (فَلا عُدْوانَ) أي اعتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد (عَلَيَ) أي في طلب أكثر منه لأنه كما لا تجب على الزيادة على العشر لا تجب عليّ الزيادة على الثمان ، وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة أخلاقه بمطلق العدو (وَاللهُ) أي الملك الأعظم (عَلى ما نَقُولُ) أي كله في هذا الوقت وغيره (وَكِيلٌ) أي شاهد وحفيظ قاهر عليه وملزم به في الدنيا وفي الآخرة ، فما الظن بما وقع بيننا من العهد من النكاح والأجر والأجل.
(فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
