وكثر القال والقيل والإرجاف ، وحصلت لنا شدائد واعتساف ، لأنا جعلناكم مثل الطائر الذي يمر من جهة الشمال ـ على ما يأتي في الصافات (قالَ طائِرُكُمْ) أي ما تيمنون به فيثمر ما يسركم ، أو تتشاءمون به فينشأ عنه ما يسوءكم وهو عملكم من الخير أو الشر (عِنْدَ اللهِ) أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة ، وليس شيء منه بيد غيره ولا ينسب إليه ، فإن شاء جعلنا سببه وإن شاء جعل غيرنا.
ولما كان معنى نسبته إلى الله أن هذا الذي بكم الآن من الشر ليس منا ، قال : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) أي تختبرون من الملك الأعلى بما تنسبونه إلى الطير من الخير والشر ، أي تعاملون به معاملة الاختبار هل تصلحون للخير بالرجوع عن الذنب فيخفف عنكم أو لا فتمحنوا.
ولما أخبر عن عامة هذا الفريق بالشر ، أخبر عن شرهم بقوله : (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ) أي مدينتهم الحجر من عظماء القرية وأعيانها (تِسْعَةُ رَهْطٍ) أي رجال ، مقابلة لآيات موسى التسع.
ولما كان الرهط بمعنى القوم والرجال ، أضيفت التسعة إليه ، فكأنه قيل : تسعة رجال ، وإن كان لقوم ورجال مخصوصين ، وهم ما بين الثلاثة أو السبعة إلى العشرة ، وما دون التسعة فنفر ، وقال في القاموس : إن النفر ما دون العشرة غير أنه يفهم التفرق ، والرهط يفهم العظمة والشدة والاجتماع (يُفْسِدُونَ) وقال : (فِي الْأَرْضِ) إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه.
ولما كان الكفرة كلهم مفسدين بالكفر ، وكان بعضهم ربما كان يصلح في بعض أفعاله ، بين أن هؤلاء ليسوا كذلك ، بل هم شر محض فحقق خلوصهم للفساد بقوله مصرحا بما أفهمته صيغة المضارع : (وَلا يُصْلِحُونَ).
ولما اقتضى السياق السؤال عن بيان بعض حالهم ، أجاب بقوله : (قالُوا تَقاسَمُوا) أمر مما منه القسم ، أي أوقعوا المقاسمة والمحالفة بينكم (بِاللهِ) أي الذي لا سمى له لما شاع من عظمته ، وشمول إحاطته في علمه وقدرته ، فليقل كل منكم عن نفسه ومن معه إشارة إلى أنكم كالجسد الواحد : (لَنُبَيِّتَنَّهُ) أي صالحا (وَأَهْلَهُ) أي لنهلكن الجميع ليلا ، فإن البيات مباغتة العدو ليلا.
ولما كانت العادة جارية بأن المبيتين لا بد أن يبقى بعضهم ، قالوا : (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ) أي المطالب بدمه إن بقي منهم أحد : (ما شَهِدْنا) أي حضرنا حضورا تاما (مَهْلِكَ) أي هلاك (أَهْلَهُ) أي أهل ذلك الولي فضلا عن أن نكون باشرنا ، أو أهل
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
