شيء» وكذلك المحب الطبري في آخر «القرى لقاصدي أم القرى» وذلك لأنه صلىاللهعليهوسلم ما دعا جامدا ولا متحركا غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها) [الأحزاب : ٧٢] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له ، ثم أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت (١) ؛ ودعا الضب وغيره من الحيوانات العجم فأطاعته (٢) ؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه ؛ وأمر الجبل لما رجف فأذعن (٣) ؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن ، ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن (٤) ؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء ؛ وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء ـ إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل النبوة ، بل ولا دعا طفلا رضيعا إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى ـ إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة شرفه صلىاللهعليهوسلم من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفه ـ والله الهادي.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنى ، ورمي الزوجات به ، والقذف ، والاستئذان ، والحجاب ، وإسعاف الفقير ، والكتابة ، وغير ذلك ، والكشف عن مغيبات ، من تغاير حالات ، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب ، كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك ، وبيان سوء حالهم ، واضمحلال محالهم ، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون ؛ ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) [المائدة : ٩] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً) [النور : ٦٣] إلى آخر الآية ، فكان مجموع هذا فرقانا يعتضد به الإيمان ، ولا ينكره مقر بالرحمن ، يشهد لرسول الله صلىاللهعليهوسلم بصحة رسالته ، ويوضح مضمن قوله (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ) [النور : ٦٣] من عظيم قدره صلىاللهعليهوسلم وعليّ جلالته ، أتبعه سبحانه بقوله تعالى (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ) [الفرقان : ١] وهو القرآن
__________________
(١) أخرج هذه القصة أحمد ٣ / ١١٣ عن أنس رضي الله تعالى عنه. وأخرجها مسلم ٣٠١٢ والبيهقي في الدلائل ٦ / ٧. ١٠ وابن حبان ٦٥٢٤ عن جابر رضي الله تعالى عنه.
(٢) أخرجه الطبراني في الصغير ٩٤٨ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، والحديث طويل جدا.
قال الهيثمي في المجمع ٨ / ٥٢٠ : قال البيهقي : والحمل على العدني في هذا الحديث اه وقال الذهبي في الميزان ٣ / ٦٥١ : هذا خبر باطل اه.
(٣) تقدم في شأن أحد ، وهو صحيح.
(٤) كذا أخرج أحمد ٤ / ٧١. ١٧٢ عن يعلى بن مرّة ، وفيه عثمان مجهول ، و٤ / ١٧٣ وفيه عبد الرحمن أيضا مجهول والطبراني في الكبير ٢٢ / ٢٦٤. ٢٦٦ وانظر مجمع الزوائد ٨ / ٥٥٨.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
