ولما كانت إثابته تعالى لأهل طاعته تفضلا منه ، نبه على ذلك بإعراء الخبر عن الفاء السببية بخلاف ما يأتي في حق الكفار فقال : (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) في الدنيا مجازا ، لمآلهم إليهم مع ما يجدونه من لذة المناجاة واستشعار القرب وفي الآخرة حقيقة بما رحمهمالله به من توفيقهم للأعمال الصالحة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي غطوا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) ساعين ـ بما أعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين من الشبه ، وقرن الخبر بالفاء إيذانا بأنه مسبب عن كفرهم فقال : (فَأُولئِكَ) أي البعداء عن أسباب الكرم (لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) بسبب ما سعوا في إهانة آياتنا مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتها والتكبر عن اتباعها.
ولما كان المشركون يمنعون بهذه الشبه وغيرها كثيرا من الناس الإيمان ، وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم ، رغب سبحانه في الهجرة فقال : (وَالَّذِينَ هاجَرُوا) أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي طريق ذي الجلال والإكرام التي شرعها ، فكانت ظرفا لمهاجرتهم ، فلم يكن لهم بها غرض آخر. ولما كان أكثر ما يخاف من الهجرة القتل. لقصد الأعداء للمهاجر بالمصادمة ، عند تحقق المصارمة ، قال معبرا بأداة التراخي إشارة إلى طول العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة : (ثُمَّ قُتِلُوا) أي بعد الهجرة ، وألحق به مطلق الموت فضلا منه فقال : (أَوْ ماتُوا) أي من غير قتل (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ) أي الملك الأعلى (رِزْقاً حَسَناً) من حين تفارق أرواحهم أشباحهم لأنهم أحياء عند ربهم ، وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا منه مما أثلوه طول أعمارهم. وأثله آباؤهم من قبلهم ، وأموالهم وأهليهم وديارهم.
ولما كان التقدير : فإن الله فعال لما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره ، عطف عليه قوله : (وَإِنَّ اللهَ) أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على الإحياء كما قدر على الإماتة (لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يرزق الخلق عامة البر منهم والفاجر ، فكيف بمن هاجر إليه! ويعطى عطاء لا يدخله عد ، ولا يحويه حد ، وكما دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في الرزق بالشهيد ، دلت السنة أيضا من حديث سلمان وغيره رضي الله عنهم أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «من مات مرابطا أجري عليه الرزق وأمن الفتانين» (١).
__________________
(١) صحيح ، أخرجه أبو داود ٢٥٠٠ والترمذي ١٦٢١ وابن حبان ٤٦٢٤ والطبراني ١٨ / ٨٠٣ والحاكم ٢ / ٧٢ وأحمد ٦ / ٢٠ من حديث فضالة بن عبيد ، وإسناده قوي. ـ وأخرجه ابن حبان ٢٦٢٥ والحاكم ٢ / ٨٠ من حديث سلمان وأخرجه أحمد ٢ / ٤٠٤ وابن ماجه ٢٧٦٧ والبزار ١٦٥٥ من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
