عليه ورضي عنهم ـ للكفرة من بني عمهم : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، في غزوة بدر ـ أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه «أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عزوجل يوم القيامة للخصومة» (١) أخرجه البخاري في صحيحه ، ولعله رضي الله عنه أول الثلاثة ، قام لمنابذتهم النبي صلىاللهعليهوسلم لذلك فإنه كان أشبّهم.
ولما ذكر خصومتهم وشرطها ، ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره ، وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال : (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) منابذين لأمر ربهم (قُطِّعَتْ) تقطيعا لا يعلم كثرته إلا الله ، بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره (لَهُمْ) الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره (ثِيابٌ مِنْ نارٍ) تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسبلون الثياب في الدنيا تعاظما وتكبرا حال كونهم (يُصَبُ) إذا دخلوها (مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) أي الماء الحار حرارة لا يدرى مقدارها إلا بالذوق ـ أعاذنا الله منه ، واستأنف الإخبار عنه بقوله : (يُصْهَرُ) أي يذاب ، وأصله المخالطة الشديدة (بِهِ) من شدة حرارته (ما فِي بُطُونِهِمْ) من شحم وغيره (وَالْجُلُودُ) فيكون أثره في الباطن والظاهر سواء (وَلَهُمْ مَقامِعُ) جمع مقمعة بكسر ثم فتح ، وهي عمود حديد يضرب به الرأس والوجه ليرد المضروب عن مراده ردا عنيفا ، ثم نفى المجاز بقوله : (مِنْ حَدِيدٍ) أي يقمعون بها (كُلَّما أَرادُوا) أي كلهم فالبعض بطريق الأولى (أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها) أي من تلك الثياب أو من النار.
ولما كان السياق لخصومة أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من التقوى للكفار ، المنابذين لها بكل اعتبار ، اقتضى ذلك بشارة للأولياء ونذارة للأعداء ـ قوله زيادة على ما في السجدة : (مِنْ غَمٍ) عظيم لا يعلم قدر عظمه إلا الله (أُعِيدُوا ،) كل آمن (فِيها) كأنهم يضربون بلهيب النار فيرفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا ـ قاله الحسن ، أو أنهم يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن يكادوا أن ينفصلوا منها وهم في النار ثم يردون كما كانوا ، وذلك أشد في العذاب ، مقولا لهم : ارجعوا صاغرين مقاسين لغمومها (وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) أي العذاب البالغ في الإحراق.
(إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٤٤ عن أبي ذر.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
