وتعاظم الأحوال : (هذا) أي الذي نراه من الهول (ما وَعَدَنَا) من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان (اللهَ) الذي له الأمر كله (وَرَسُولُهُ) المبلغ عنه في نحو قوله : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة : ٢١٤] (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) [العنكبوت : ٢] (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) [التوبة : ١٦] وأمثال ذلك ، فسموا المس بالبأساء والضراء ، والابتلاء بالزلزال والأعداء ، وعدا لعلمهم بما لهم عليه عند الله ، ولا سيما في يوم الجزاء ، وما يعقبه من النصر ، عند اشتداد الأمر.
ولما كان هذا معناه التصديق ، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمرا اتفاقيا ، وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفا على هذا : (وَصَدَقَ) مطلقا لا بالنسبة إلى مفعول معين (اللهُ) الذي له صفات الكمال (وَرَسُولُهُ) الذي كماله من كماله ، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه. وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره ، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما.
ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط كقول المنافقين ، أكده لظن المنافقين ذلك ، فقال سبحانه شاهدا لهم : (وَما زادَهُمْ) أي ما رأوه من أمرهم المرعب (إِلَّا إِيماناً) أي بالله ورسوله بقلوبهم ، وأبلغ سبحانه في وصفهم بالإسلام ، فعبر بصيغة التفعيل فقال : (وَتَسْلِيماً) أي لهما بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر ، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) [الفرقان : ١٠] ما هو من شرح هذا. ولما كان كل من آمن بائعا نفسه وماله لله ، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، وكان بعض الراسخين في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله ، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه ، أما في ماله فبالخروج عنه كله ، وأما في نفسه فيما كان يقحمها من الأهوال ، حتى كان النبي صلىاللهعليهوسلم يقول له في بعض المواطن : «الزم مكانك وأمتعنا بنفسك» (١) ، «ويقول له ولعمر رضي الله عنهما أنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر» (٢) ، وكان أبو بكر رضي الله عنه في ليلة الغار يذكر الطلب فيتأخر ، والرصد فيتقدم ، وما عن الجوانب فيصير إليها ؛ ومنهم من وفى في هذه الغزوة وما قبلها فأراد الله التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية لما يفضل به من حقهم ، وترغيبا لغيرهم
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الحاكم ٣ / ٦٩ (٤٤٣٢) من حديث عبد الله بن حنطب ، صححه الحاكم وقال الذهبي : حسن ا ه. لكن ليس فيه لفظ : «من الدين»
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
