ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا يقولون في مثل هذا الحال : اخلصوا فإن آلهتكم ـ أي من الأصنام وغيرها من دون الله ـ لا تغني في البحر شيئا ، وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم إلى البر كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك آية أصلا ، فلذلك أكد قوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي ما ذكر من حال السفن في سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه بدليل ما للناس كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه (لَآياتٍ) أي على أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال أمر مركوز في العقول ثابت في الفطر الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى ، وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو من الظهور بمكان لا يجهل.
ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان والشكر لكل إحسان ويتذامون بالجزع والكفران ، وكان ذلك يقتضي ثباتهم على حال واحد فإن كان الحق عليهم لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ينحو نحوه ولا يلتفت لفتة أحد من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام بمسيم الإغمار ، وإن كان الحق كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد إنعامه عليهم بإنجائهم من الشدة لا يفعله ذو عزيمة ، قال مشيرا إلى ذلك بصيغتي المبالغة : (لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي في الشدة (شَكُورٍ) أي في الرخاء وإن كثر مخالفوه ، وعظم نزاعهم له ، وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي وكل همته بالنظر في الآيات فهو يستملي منها العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر.
ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني في جلائل المباني ، قال مكملا لما في ذلك من الترغيب في صورة الترهيب : (أَوْ) أي أو أن يشاء في كل وقت أراده ، واسند الإيباق إلى الجواري تأكيدا لإرادة العموم في هلاك الركاب فقال : (يُوبِقْهُنَ) أي يهلكهن بالإغراق بإرسال الريح وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي حفره ، وطاق في الماء وقعره ، وقد تقدم تحقيق معنى «وبق» بجميع تقاليبه في سورة الكهف ، ومنه أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا : هلك ، والموبق كمجلس : المهلك وكل شيء حال بين شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره ، ومنه قيل للموعد : موبق ، وأوبقه : حبسه أو أهلكه.
ولما كان الإهلاك لهن إهلاكا للركاب ، قال مبينا أنهم المقصودون مجردا الفعل إشارة إلى أن ابن آدم لما طبع عليه من النقائص ليس له من نفسه فعل خال عن شوب نقص حثا له على اللجوء إلى الله في تهذيب نفسه وإخلاص فعله : (بِما كَسَبُوا) أي فعلوا من المعاصي بجدهم فيه واجتهادهم.
ولما كان التقدير تفصيلا للإيباق : فيغرق كل من فيهن إن شاء ويغرق كثيرا منهم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
