الفرض بقسر قاسر ما (إِلى رَبِّي) أي الذي أحسن إليّ بهذا الخير الذي أنا فيه (إِنَّ لِي عِنْدَهُ) وأكد للرد على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قلبه وقالبه (لَلْحُسْنى) أي الحالة والرتبة البالغة في الحسن حدا لا يوصف لأني أهل لذلك ، والدليل على تأهلي له ما أنا فيه الآن من الخير ، ونسي ما يشاهده غالبا من أن كثيرا من النعم يكون للاستدراج ، ومن أن كثيرا من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به كل نقمة ، فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا ، وفي الآخرة يقول : يا ليتني كنت ترابا ، فلا يزال في المحال ـ نعوذ بالله من سوء الحال.
ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط حكمته ، سبب عنه سبحانه قوله ، مؤكدا في نظير تأكيد هذا الناسي : (فَلَنُنَبِّئَنَ) أي تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل ، وجعل موضع الضمير الوصف تصريحا بالعموم وبيانا للعلة الموجبة فقال : (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما دلت عليه العقول ، وأوجبته صرائح النقول ، من إقامة الساعة لإظهار جلاله وجماله ، ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعوه (بِما عَمِلُوا) لا ندع منه قليلا ولا كثيرا صغيرا ولا كبيرا ، فليرون عيانا ضد ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان : ٢٣] (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ) بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية لمثاقيل الذر (مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعه قواهم.
ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر ، والأمن عند ذوق النعمة بعد الضر ، بين حاله عند النعمة مطلقا ودعاءه عند الشر وإن كان قانطا تكريرا لتقلب أحواله وتناقض أقواله وأفعاله تصريفا لذلك على وجوه شتى ليكون داعيا له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى الإيمان ، ومسقطا عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات ، فقال معبرا بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه ، ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيدا لبيان جهله حيث جعل ظرف النعمة ظرفا للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر : (وَإِذا أَنْعَمْنا) مما لنا من العظمة والإحسان (عَلَى الْإِنْسانِ) أي الواقف مع نفسه نعمة تليق بعظمتنا ، فمسه الخير ، ولم يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده إيذانا بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال : (أَعْرَضَ) أي انحرف عن سواء القصد إلينا عنا في
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
