بطشه بالعرش ـ وهو بروحه وجسده ـ إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم الغشي قبل البعث ، فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبسا أن يكون ذلك بعد البعث ، وتكون حينئذ النفخات أربعا : الأولى لإماتة الأحياء ، الثانية لإحياء جميع الموتى ، وهاتان هما المذكورتان في سورة يس ، ولذلك لما ذكرهما صرح في أمرهما بما لا يحتمل غيره (ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) الثالثة لابتدائهم بعد البعث بالهول الشديد ، والحال يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب والارهاب ، وإظهار العظمة والجلال لتقطيع الأسباب ، والذي يدل عليه في هذا الحديث قوله صلىاللهعليهوسلم في كثير من رواياته : «فإن الناس يصعقون يوم القيامة (١)» فإن يوم القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل فريق إلى داره ومحل استقراره ، وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي للإنامة لا للإقامة ، ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة الجازمة بأن النبي صلىاللهعليهوسلم أول من تنشق عنه الأرض ، وما حكاه الكرماني من الإجماع على ذلك ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار الجسد من غير بعث ، فهذا الجزم ينافي ذلك الشك ، فإذا كان المراد بما في الحديث الغشي كانت نفخة أخرى للإيقاظ منه ، وهاتان المرادتان بما في هذه السورة كما في رواية الترمذي وما في النمل ، ولذلك عبر عنها بالفزع ، ويؤيد ذلك التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة الآخرة ، والنبي صلىاللهعليهوسلم قد أوتي جوامع الكلم ، واختصر له الكلام اختصارا ، ولو أنهما نفختان فقط كان التعبير بالآخرة قاصرا عما تفيده الثانية مع المساواة في عدة الحروف ، وهو مما لا يظن ببليغ ، فكيف بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس صلىاللهعليهوسلم ، فكان العدول عن الثانية إلى الآخرة مفيدا أنها أربع ، ولعل ذلك معنى (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) [غافر : ١١] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة الساعة التي تسكر ، ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث ، ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات : فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى ـ إلى آخره ، فالظاهر أن راويها وهم ، أو روي بالمعنى فما وفى بالغرض ، والراجح روايات من قالوا : فأكون أول من يفيق (٢) ـ بالكثرة وبزوال الإشكال ، هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق الآيات والأحاديث عليه ، ثم
__________________
(١) تقدم آنفا.
(٢) تقدم وفي ترجيحه نظر فقد أخرج أحمد ٢ / ٥٤٠ ومسلم ٢٢٧٨ عن أبي هريرة مرفوعا «أنا أول من ينشق عنه التراب ولا فخر» فتأمله.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
