أعرضوا عن غيره بغير دليل (فَيَتَّبِعُونَ) أي بكل عزائمهم بعد انتقاده : (أَحْسَنَهُ) بما دلتهم عليه عقولهم من غير عدول إلى أدنى هوى ، ويدخل في هذه الآية دخولا بينا حث أهل الكتاب على اتباع هذا القرآن العظيم ، فإن كتب الله كلها حسنة ، وهذا القرآن أحسنها كلاما ، ومعاني ونظاما ، لا يشك في هذا أحد له أدنى ذوق.
ولما بين عملهم ، أنتج ذلك مدحهم فقال مظهرا زيادة المحبة لهم والاهتمام بشأنهم بالتأكيد : (أُولئِكَ) أي العالو الهمة والرتبة خاصة (الَّذِينَ) ولما كان في هؤلاء المجتبين العالو الرتبة جدا وغيره ، أبرز المفعول فقال محولا الأسلوب إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم هدايتهم ، (هَداهُمُ اللهُ) بما له من صفات الكمال فبين سبحانه أن لا وصول إليه إلا به ، وهذا بخلاف آية الأنعام حيث ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فقال (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ) فحذف المفعول لتصير هدايتهم مكررة بوجوب تسليط العامل على الموصول الذي أعاد عليه الضمير في هذه الآية ، وكرر الإشارة زيادة في تعظيمهم فقال : (وَأُولئِكَ هُمْ) أي خاصة (أُولُوا الْأَلْبابِ) أي العقول الصافية عن شوب كدر.
ولما خص سبحانه البشارة بالمحسنين ، علم أن غيرهم قد حكم بشقاوته ، وكان صلىاللهعليهوسلم لما جبل عليه من عظيم الرحمة ومزيد الشفقة جديرا بالأسف على من أعرض ، سبب عن أسفه عليهم قوله : (أَفَمَنْ حَقَ) وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف عليهم (عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ) بإبائه وتوليه ، فكان لذلك منغمسا في النار التي أبرمنا القضاء بأنها جزاء الفجار لا يمكن إنقاذه منها ، أفأنت تنقذه من إعراضه الذي غمسه في النار؟ ثم دل على هذا الذي قدرته بقوله مؤكدا بإعادة حرف الاستفهام لأجل طول الكلام ولتهويل الأمر وتفخيمه للنهي عن تعليق الهم بهم لما عنده صلىاللهعليهوسلم من جبلة العطف والرقة على عباد الله : (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ) أي تخلص وتمنع وتنجي ، ووضع موضع ضميره قوله شهادة عليه بما هو مستحقه ولا يمكن غير الله فكه منه (مَنْ فِي النَّارِ) متمكنا فيها شديد الانغماس في طبقاتها ، والرسوخ بحيث إنها قد أحاطت به من كل جانب ، وكان الأصل : أنت تنقذ من حق عليه العذاب ، فقدم المفعول وجعله عمدة الكلام ليقرع السمع ويترقب الخبر عنه ، ثم حذف خبره ليكون أهول فتذهب النفس فيه كل مذهب ، ثم أنكر أن يكون أعلى الخلق ينقذه ، فغيره من باب الأولى ، فصار الكلام بذلك من الرونق والبهجة والهول والإرهاب ما لا يقدر البشر على مثله.
(لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
