تسمية ربقة المتخاصمين خصما لأنهم في صورة الخصم قال : (إِذْ) أي خبر تخاصمهم حين (تَسَوَّرُوا) أي صعدوا السور ونزلوا منه هم ومن معهم ، آخذا من السور وهو الوثوب (الْمِحْرابَ) أي أشرف ما في موضع العبادة الذي كان داود عليهالسلام به ، وهو كناية عن أنهم جاؤوه في يوم العبادة ومن غير الباب ، فخالفوا عادة الناس في الأمرين ، وكأن المحراب الذي تسوروه كان فيه باب من داخل باب آخر ، فنبه على ذلك بأن أبدل من «إذ» الأولى قوله : (إِذْ) أي حين (دَخَلُوا ،) وصرح باسمه رفعا للبس وإشعارا بما له من قرب المنزلة وعظيم الود فقال : (عَلى داوُدَ) ابتلاء منا له مع ما له من ضخامة الملك وعظم القرب منا ، وبين أن ذلك كان على وجه يهول أمره إما لكونه في موضع لا يقدر عليه أحد أو غير ذلك بقوله : (فَفَزِعَ) أي ذعر وفرق وخاف (مِنْهُمْ) أي مع ما هو فيه من ضخامة الملك وشجاعة القلب وعلم الحكمة وعز السلطان.
ولما كان كأنه قيل : فما قالوا له؟ قال : (قالُوا لا تَخَفْ) ولما كان ذلك موجبا لذهاب الفكر في شأنهم كل مذهب ، عينوا أمرهم بقولهم : (خَصْمانِ) أي نحن فريقان في خصومة ، ثم بينوا ذلك بقولهم : (بَغى بَعْضُنا) أي طلب طلبة علو واستطالة (عَلى بَعْضٍ) فأبهم أولا ليفصل ثانيا فيكون أوقع في النفس. ولما تسبب عن هذا سؤاله في الحكم قالوا : (فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، وإنما سألاه ذلك مع العلم بأنه لا يحكم إلا بالعدل ليكون أجدر بالمعاتبة عند أدنى هفوة (وَلا تُشْطِطْ) أي لا توقع البعد ومجاوزة الحد لا في العبارة عن ذلك بحيث يلتبس علينا المراد ولا في غير ذلك ، أو ولا تمعن في تتبع مداق الأمور فإني أرضى بالحق على أدنى الوجوه ، ولذا أتى به من الرباعي والثلاثي بمعناه ، قال أبو عبيد : شط في الحكم وأشط ـ إذا جار ، ولذا أيضا فك الإدغام إشارة إلى أن النهي إنما هو عن الشطط الواضح جدا. ولما كان الحق له أعلى وأدنى وأوسط ، طلبوا التعريف بالأوسط فقالوا : (وَاهْدِنا) أي أرشدنا (إِلى سَواءِ) أي وسط (الصِّراطِ) أي الطريق الواضح ، فلا يكون بسبب التوسط ميل إلى أحد الجانبين : الإفراط في تتبع مداق الأمور والتفريط في إهمال ذلك.
(إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
