سريعة يرضعها الفصيل لتدر قال في القاموس : أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع ، فالمعنى : ما لها من رجوع كما يرجع اللبن في الضرع عند الفواق وكما يرجع المريض بالإفاقة من المرض إلى الصحة ، أو ما لها من انفصال وافتراق بقدر ما يتنفس فيه أحد أقل تنفس وأقصره زمنا كما هي عادة الأصوات المألوفة يكون فيها ترجيع يوجب في الصوت تقطعا يصير به وقعه ضعيفا فاترا ، واعتماده على مخرجه رخوا ، بل هي صماء على نمط واحد لا تفجأ أحدا إلا مات إلا من ثبته الله تعالى ، ويجوز أن يكون من فواق المحتضر ، أي أنه ليس فيها مقدمة للموت غير قرع الصوت ، وهذا موافق لقولهم : ما لها من نظرة وراحة ـ والله أعلم.
ولما عجب منهم بما مضى ، وأبطل شبههم وعرفهم أنهم قد عرضوا أنفسهم للهلاك تعريضا قريبا ، أتبع ذلك تعجيبا أشد من الأول فقال : (وَقالُوا) أي استهزاء غير هائبين ما هددناهم به ولا ناظرين في عاقبته : (رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا (عَجِّلْ لَنا) أي إحسانا إلينا (قِطَّنا) أي نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به وكتابنا الذي كتبت فيه ذلك وأحصيت فيه أعمالنا ، وأصله من قط الشيء ـ إذا قطعه ، ومنه قط القلم ، وأكثر استعماله في الكتاب.
ولما كان المراد بهذا المبالغة في الاستهزاء بطلب العذاب في جميع الأزمان التي بينهم وبين القيامة ، أسقطوا حرف الجر وقالوا : (قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ) فجعلوا جميع الزمان الذي بينهم وبينه ظرفا لذلك ، وجعلوا تعجيله من الإحسان إليهم دلالة على الإعراق في الاستهزاء ، وعبر بالقط زيادة في التنبيه على ركوب الهوى من غير دليل فإن مادته دائرة في الأغلب على ما يكره ، واشتقاقه من القط وهو القطع ، فالقط النصيب والصك وكتاب المحاسبة لأنه قطعة من الورق ، والحساب قطعة من الأمور ، وهو يقطع فيه بما هو له ، والساعة ـ لأنها قطعة من الزمان ، وتقطقط الرجل : ركب رأسه أي تبع هواه الذي هو قطعة من أمره ، وجاءت الخيل قطاقط أي قطعا وجماعات في تفرقه ، والقط : القطع ، والقطط : القصير الجعد ، والطقطقة : حكاية صوت الحجارة ، فكأنهم قالوا : عجل من ذلك ما يكون مقطوعا به لا شك فيه ويسمع صوته على غاية الشدة فيهلك ويفرق بين الأحباب ويكتب في كل صك ، ويتلى خبره في سائر الأحقاب ، فإن ذلك هو أنا لا نرجع عنه لشيء أصلا ، فسبحان الحليم الذي أكرمنا ورحمنا بنبي الرحمة ، فلم يعجل لنا النقمة ، وأقبل بقلوبنا إليه ، وقصر هممنا بعد أن كانت في أشد بعد عليه.
ولما بلغ السيل في ركوبهم الباطل عنادا ـ الزبى ، وتجاوز في طغيانه رؤوس الربى ، وكان سؤالهم في تعجيل العذاب استهزاء مع ما قدموا من الإكذاب ، والكلام البعيد عن
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
