باستحقاق شديد الغضب والعذاب ، فقال معجبا عاطفا على ما تقديره : وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من الآيات في حال رخائهم : (وَإِذا غَشِيَهُمْ) أي علاهم وهم فيها حتى صار كالمغطى لهم ، لأنه منعهم من أن تمتد أبصارهم كما كانت (مَوْجٌ) أي هذا الجنس ، ولعله أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإتيانه شيئا في أثر شيء متتابعا يركب بعضه كأنه شيء واحد ، وأصله من الحركة والازدحام (كَالظُّلَلِ) أي حتى كان كأطراف الجبال المظلة لمن يكون إلى جانبها ، وللإشارة إلى خضوعهم غاية الخضوع كرر الاسم الأعظم فقال : (دَعَوُا اللهَ) أي مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله بجلاله وجماله ، عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من حقيته وعلوه وكبره وبطلان ما يدعون من دونه (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لا يدعون شيئا سواه بألسنتهم ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال ، وقسرهم عليه من العظمة والكمال ، واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به لتعظيم الأمر فيه لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب.
ولما كان القتل بالسيف أسهل عندهم من أن يقال عنهم : إنهم أقروا بشيء هم له منكرون لأجل الخوف خوف السبة بذلك والعار حتى قال من قال : لو لا أن يقال إني ما أسلمت إلا جزعا من الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت. بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك ، وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء ، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع ، فقال دالا بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ) أي خلصهم رافعا لهم ، تنجية لهم عظيمة بالتدريج من تلك الأهوال (إِلَى الْبَرِّ) نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين ، وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين (فَمِنْهُمْ) أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم (مُقْتَصِدٌ) متكلف للتوسط والميل للإقامة على الطريق المستقيم ، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار ، وهم قليل ـ بما دل عليه التصريح بالتبعيض ، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك ، وهو الأكثر ـ كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض ، وما يقتصد إلا كل صبار شكور ، إما حالا وإما مآلا (وَما يَجْحَدُ) وخوّف الجاحد بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام ، فقال صارفا القول إليه : (بِآياتِنا) أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها (إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ) أي شديد الغدر عظيمه لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف (كَفُورٍ) أي عظيم الكفر
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
