البغوي ، فاستحق التأنيث لذلك ، فأنث لكثرة ملابستها له ، والجنسية علة الصنم.
ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله : (وَتَذَرُونَ) ومادة «وذر» تدور على ما يكره ، فالمعنى : وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد فيه ، ولو قيل : وتدعون ـ تهافتا على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد. ولما كان الداعي لا يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع ، فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد ، قال منبها لهم على غلطهم في الفعل والترك : (أَحْسَنَ الْخالِقِينَ) أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا تعبدونه.
ولما كان الإنسان يعلم يقينا أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من العدم ولا بما بعده ، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان ، قال مبينا لمن أراد مذكرا لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم ، ويوادون من كان يوادهم بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخما للأمر ومعظما بالإبدال ويجعل البدل اسم الجلالة في قراءة النصب ، وزائدا في التعظيم بالقطع بالابتداء في قراءة الجماعة بالرفع : (اللهَ) فذكر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات تنبيها على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به (رَبَّكُمْ) أي المحسن إليكم وحده. ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم غباوة منهم أو عنادا قال : (وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) أي الذين هم أول لكم ، فشمل ذلك آباءهم الأقربين ، ومن قبلهم إلى آدم عليهالسلام.
ولما كان من أعظم المقاصد ـ كما مضى ـ التسلية والترجية ، سبب عن دعائه قوله : (فَكَذَّبُوهُ) ولما كانت الترجية مستبعدة ، سبب عن التكذيب قوله مؤكدا لأجل تكذيبهم : (فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما نريد من العذاب الأدنى والأكبر ، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا (إِلَّا عِبادَ اللهِ) أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علموا فلم يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا ؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال : (الْمُخْلَصِينَ) أي لعبادته فلم يشركوا به شيئا جليا ولا خفيا ، فإنهم ناجون من العذاب.
ولما جاهد في الله تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء ، جازاه سبحانه فقال عاطفا على «فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ» (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ) أي من الثناء الجميل وجميع ما يسره : (فِي الْآخِرِينَ) أي كل من كان بعده إلى يوم الدين. ولما كان السّلام اسما جامعا لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما يريد ، أنتج ذلك قوله : (سَلامٌ) ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات إحداها توافق
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
