ولما كان الإنسان ، وإن اجتهد في الإحسان ، لا بد أن يحتاج إلى الغفران ، لما له من النقصان ، لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى القيام بحقها العوائق البشرية ، بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز في الحدود بغاية الشهوة فقال : (مُبِينٌ) وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في نحو (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) «ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة (١)» و (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) [النساء : ٣١].
قصة ذبح إبراهيم لولده عليهماالسلام من التوراة وبيان أنهم بدلوها ، قال مترجمهم : فغرس إبراهيم ببئر سبع غرسا ، وبنى هنالك باسم الرب إله العالمين ، وسكن إبراهيم أرض فلسطين ـ يعني عند تلك البئر ـ أياما كثيرة. ولما كان من بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم ، وقال له : يا إبراهيم! فقال : لبيك ، فقال له : انطلق بابنك الوحيد إسحاق الذي تحبه إلى أرض الأمورانيين ـ وفي نسخة : إلى بلدة العبادة ـ وأصعده إليّ قربانا على أحد تلك الجبال الذي أقول لك ، فأدلج إبراهيم باكرا فأسرج حماره وانطلق بغلاميه وإسحاق ابنه ، وشق حطبا للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع الذي قال الله له ، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع من بعيد فقال لغلاميه : امكثا هاهنا عند الحمار ، وأنا والغلام ننطلق إلى هاهنا نصلي ونرجع إليكما ، فأخذ إبراهيم حطب القربان ، وحمله إسحاق ابنه ، وأخذ معه نارا وسكينا ، وانطلقا كلاهما جميعا ، وقال إسحاق لأبيه إبراهيم : يا أبة ، فقال له : لبيك ، فقال له : هذه النار والحطب ، أين حمل القربان ، فقال إبراهيم : الله يعد لنا حملا للقربان يا بني ، فانطلقا جميعا حتى انتهيا إلى الموضع الذي قال الله ، فبنى هنالك إبراهيم مذبحا ونضد عليه الحطب وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب ، ومد يده إبراهيم فأخذ السكين ليذبح ابنه ، فدعاه ملاك الرب من السماء وقال : يا إبراهيم يا إبراهيم ، فقال : لبيك! فقال : لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به شيئا لأنك قد أظهرت الآن أنك تتقي الله إذ لم تمنعني ابنك الوحيد ، فمد إبراهيم بصره فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه ، فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش فأصعده قربانا بدل ابنه إسحاق ، فسمى إبراهيم ذلك الموضع «الله يتجلى» كما يقال : الله في هذا الجبل ، الله يتجلى ، فدعا ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال : بي أقسمت ، يقول الرب : بدل ما صنعت هذا الصنيع
__________________
(١) أخرجه البخاري ٦٤٩١ ومسلم ١٣١ وابن منده ٣٨٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما هذه اللفظة من حديث مرفوع. وفي الباب عن أبي هريرة عندهما أيضا.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
