داود : قلت : لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان برح ، يقول : كذب إذ طمع أن ينجو ، وإن كان قد برح وصعب على إمكان طعنه ، وتطير من تيمن به بسلامته وخلاصه من الطاعن ، وتطير من تيمن بالسانح بأنه يأتي من ميامنك إلى مياسرك ، فيمكنك من طعنه ، ومن تشاءم به تطير بقلة سلامته ووقوعه فيما يكره ، ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك مواجهة ، ومنه الناطح أيضا ومنه القعيد ، وهو الذي يأتيك من خلفك ـ انتهى ما وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك فافهم ، والظاهر كما تفهمه الآية أن العرب مطبقة على أن ما أتى عن اليمين كان مباركا سواء كان أتى من قدام مواجها لك ومر إلى جهة الخلف فوليتك ميامته ، أو أتى من الجانب الأيمن سواء كان ابتداء إتيانه من خلف أو لا فمر من قدامك عرضا إلى جهة اليسار ، فوليتك في الحالتين مياسره ، وما أتى من جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوما ، وكأنهم اختلفوا في التسمية فأكثرهم سمى الأول سانحا من السنح بالضم وهو اليمن والبركة ، وهو من قولهم : سنح لي رأي : تيسر ـ لشهرة معنى اليمن عندهم في ذلك ، والثاني بارحا من البرح ، وهو الشدة والشر لشهرة هذا المعنى عندهم في مادة برح ، وبعضهم عكس فسمى الأول بارحا من البرحة ، وهي الناقة تكون من خيار الإبل لشهرة ذلك عندهم ، وسمى الثاني سانحا من قولهم : سنحه عما أراد : صرفه ، وسنح بالرجل وعليه : أخرجه أو أصابه بشر ، فمن الاختلاف في التسمية أتى الخلاف ، ولذلك عبر سبحانه وتعالى بالمعنى دون الاسم ، لأن كلامه سبحانه لا يخص قوما دون غيرهم ، وأما التعليل بإمكان الطعن والرمي فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه بأدنى حركة فينعكس بالنسبة إليه أمر المياسر والميامن ، ويتغير حال الطعن والرمي ، هذا إذا سلم أن الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير مسلم ، ولو كان المعنى دائرا عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة إلى الأعسر وغيره ، لا بالنسبة إلى أهل العالية وغيرهم ، وأما البيت الذي استدل به فيمكن حمله على أن قائله كان في حاجة له لا بد له منها ، فرأى البارح فلم يتطير منه ولج في أمره ذلك تكذيبا له فيما دل عليه عند العرب ، وأما الجابه وغيره فأسماء أخر لبعض أنواع كل من السانح والبارح ـ والله أعلم ، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه الزينة : العيافة والقيافة والزجر نوع من الكهانة إلا أنه أخف في الكراهة ، وذلك أن الكاهن كان بمنزلة الحاكم ، وكان من الكهان من يعبد كما يعبد الصنم ، وكانوا سدنة الأصنام ، قلت : والكاهن في اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم ، فهو وصف يدل على التوغل في العلم ـ انتهى ، قال أبو حاتم : وسمعت بعض أهل الأدب قال : الكاهن بالعبرانية العالم ، وكانوا يسمون هارون عليهالسلام كهنا ربا ، معناه عالم الرب ، ثم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
