مع شدة عطشه مانع عظيم أقمحه ، ولكنه خفي أمره فلم يعلم ما هو ، ولذلك بنى الاسم للمفعول إشارة إلى أنهم مقهورون على تفويت حظهم من هذا الأمر الجليل.
ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال : (وَجَعَلْنا) أي بعظمتنا. ولما كان المقصود حجبهم عن خير مخصوص ، وهو المؤدي إلى السعادة الكاملة لا عن كل ما ينفعهم ، أدخل الجار فقال : (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) أي الوجه الذي يمكنهم علمه (سَدًّا.) ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال : (وَمِنْ خَلْفِهِمْ) أي الوجه الذي هو خفي عنهم ، وأعاد السد تأكيدا لإنكارهم ذلك وتحقيقا لجعله فقال : (سَدًّا) أي فصارت كل جهة يلتفت إليها منسدة ، فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق ولا الخلوص إليه ، فلذلك قال : (فَأَغْشَيْناهُمْ) أي جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة (فَهُمْ) أي بسبب ذلك (لا يُبْصِرُونَ) أي لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم ببصر ظاهر وبصيرة باطنة أصلا. ولما منعوا بذلك حس البصر ، أخبر عن حس السمع فقال : (وَسَواءٌ) أي مستو ومعتدل غاية الاعتدال من غير نوع فرق ؛ وزاد في الدلالة على عدم عقولهم بالتعبير بأداة الاستعلاء إيذانا بأنهم إذا امتنعوا مع المستعلي كانوا مع غيره أشد امتناعا فقال : (عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) أي ما أخبرناك به من الزواجر المانعة من الكفر (أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) ثم بيّن أن الذي استوى حالهم فيه بما سببه الإغشاء عدم الإيمان ، فقال مستأنفا : (لا يُؤْمِنُونَ).
ولما بيّن ما كان السبب المانع لهم من الإبصار ، علم أن السبب المانع من السمع مثله ، لأن المخبر عزيز ، فهو إذا فعل شيئا كان على وجه لا يمكن فيه حيلة. ولما أخبر أن الأكثر بهذه الصفة ، استشرف السامع إلى أمارة يعرف بها الأقل الناجي لأنه المقصود بالذات فقال جوابا له : (إِنَّما تُنْذِرُ) أي إنذارا ينتفع به المنذر فيتأثر عنه النجاة ، فالمعنى : إنما يؤمن بإنذارك (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) أي أجهد نفسه في اتباع كل ما يذكر بالله من القرآن وغيره ويذكر به صاحبه ويشرف (وَخَشِيَ الرَّحْمنَ) أي خاف العام الرحمة خوفا عظيما ، ودل لفت الكلام عن مظهر العظمة إلى الوصف بالرحمانية على أن أهل الخشية يكفيهم في الاتعاظ التذكير بالإحسان (بِالْغَيْبِ) أي بسبب ما يخبر به من مقدوراته الغائبة لا سيما البعث الذي كان اختصاصها بغاية بيانه بسبب كونها قلبا من غير طلب آية كاشفة للحجاب بحيث يصير الأمر عن شهادة لا غيب فيه ، بل تجويزا لما يجوز من انتقامه ولو بقطع إحسانه ، لما ثبت له في سورة فاطر من القدرة والاختيار ، ويخشاه أيضا خشية خالصة في حال غيبته عمن يرائيه من الناس ، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الإنذار ، وهم المتقون الذين ثبت في البقرة أن الكتاب هدى لهم ، وغيرهم لا
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
