نفعه واستعملوه عند فواته فلم ينفعهم ، بل قيل في جوابهم تقريرا لهم وتوبيخا وتقريعا : (أَوَلَمْ) أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين من ذلك بالعقول والقوى؟ أو لم (نُعَمِّرْكُمْ) أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ (ما) أي زمانا (يَتَذَكَّرُ فِيهِ) وما يشمل كل عمر يتمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم ، وأشار بمظهر العظمة إلى أنه لا مطمع بغيره سبحانه في مد العمر.
ولما كان التفكر بعد البعث غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء ، عبر بالماضي فقال : (مَنْ تَذَكَّرَ) إعلاما بأنه قد ختم على ديوان المتذكرين ، فلا يزاد فيهم أحد ، والزمان المشار إليه قيل : إنه ستون سنة ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهم ، وبوّب له البخاري في أوائل الرقاق من غير عزو إلى أحد (١) ، وروى أحمد بن منيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : من عمره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر (٢). وروى الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين. وأقلهم من يجوز ذلك (٣).
ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ودواما ، أشار إلى أدلة النقل المنبه على ما قصر عنه العقل ، فقال معبرا بالماضي تصريحا بالمقصود عطفا على معنى : أو لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم : (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) أي عنى من الرسل والكتب تأييدا للعقول بالدليل المعقول.
ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال : (فَذُوقُوا) أي ما أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا ، ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع إلى الاستغاثة عليه ، تسبب عن ذلك قوله : (فَما) وكان الأصل : لكم ، ولكنه أظهر تعليقا للحكم بالوصف للتعميم فقال : (لِلظَّالِمِينَ) أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها (مِنْ نَصِيرٍ) أي يعينهم ويقوي أيديهم ، فلا براح لكم عن هذا الذواق ، وهذا عام في كل
__________________
(١) الباب الخامس من الرقائق.
(٢) أخرجه البخاري ٦٤١٩ فأبعد المؤلف رحمهالله إذ خرّجه من مسند أحمد بن منيع والعجب أنه تحت الباب المذكور آنفا ، وأخرجه أحمد ٢ / ٤١٧ و ٤٠٥ و ٢٧٥ والبيهقي ٣ / ٣٧٠ وابن حبان ٤٩٧٩ والبغوي ٤٠٣٢ وغيرهم كثير عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) أخرجه الترمذي ٣٥٥٠ و ٢٣٣١ وابن ماجه ٤٢٣٦ والحاكم ٢ / ٤٢٧ والبيهقي ٣ / ٣٧٠ والقضاعي ٢٥٢ و ٢٥١ وابن حبان ٢٩٨٠ والخطيب في تاريخه ٦ / ٣٩٧ و ٥ / ٤٧٦ والرامهرمزي في الأمثال ص ٦١ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، والحديث حسن بمجموع الطرق.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
