غيرها في أودية مدلهمة ، أتبعه دليلا آخر شهوديا على آية (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ) في قوم كان تمام صلاحهم بسليمان عليه الصلاة والسّلام ، فاختل بعده أمرهم ، وصار من عجائب الكون ذكرهم ، حين ضاع شكرهم ، فكان من ترجمة اتباع قصتهم لما قبلها أن آل داود عليهالسلام شكروا ، فسخر لهم من الجبال والطير والمعادن وغيرها ما لم يكن غيرهم يطمع فيه ، وهم أضاعوا الشكر فأعصى عليهم وأضاع منهم ما لم يكونوا يخافون فواته من مياههم وأشجارهم وغيرها ، فقال تعالى مشيرا بتأكيده إلى تعظيم ما كانوا فيه ، وأنه في غاية الدلالة على القدرة ، وسائر صفات الكمال ، وأن عمل قريش عمل من ينكر ما تدل عليه قصتهم من ذلك : (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ) أي القيلة المشهورة التي كانت تسجد للشمس ، فهداهم الله تعالى على يد سليمان عليهالسلام ، وحكمة تسكين قنبل همزتها الإشارة إلى ما كانوا فيه من الخفض والدعة ورفاهة العيش المثمرة للراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة ، ولعل قراءة الجمهور لها بالصرف تشير إلى مثل ذلك ، وقراءة أبي عمرو والبزي عن ابن كثير بالمنع تشير إلى رجوعهم بما صاروا إليه من سوء الحال إلى غالب أحوال تلك البلاد في الإقفار وقلة النبت والعطش (فِي مَسْكَنِهِمْ) أي التي هي في غاية الكثرة ، ووحد حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد ، وكسر الكسائي الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملاءمة لهم واللين ، وفتحه الآخران إشارة إلى ما فيها من الروح والراحة ، وكانت بأرض مأرب من بلاد اليمن ، قال حمزة الكرماني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : على ثلاث فراسخ من صنعاء ، وكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثمارا حتى كانت المرأة تضع على رأسها المكتل وتطوف في ما بين الأشجار فيمتلىء المكتل من غير أن تمس شيئا بيدها ، وكانت مياههم تخرج من جبل فبنوا فيه سدا وجعلوا له ثلاثة أبواب فكانوا يسرحون الماء إلى كرومهم من الباب الأعلى والأوسط والأسفل ، قال الرازي : كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن مغزلها ، فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار ، وقال أبو حيان في النهر : ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها ، وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا : لترجعن أو لنقتلنك ، فقالت لهم : لا عقول لكم ، ولا تطيعوني ، فقالوا : نطيعك ، فرجعت إلى واديهم ، وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام ، فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة بالصخر والقار ، وحبست الماء من وراء السد ، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض ، وبنت من دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجا على عدة أنهارهم ، وكان الماء يخرج لهم بالسوية ، وقال المسعودي في مقدمات مروج الذهب
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
