النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم ولتكن في تحتها بحيث لا يقلعها سيف ولا تثقل على الدارع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر ، والظاهر أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها ، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ، ولا كان للإلانة فائدة ، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير ، قال الزجاج : السرد في اللغة : تقدير الشيء إلى الشيء ليتأتى متسقا بعضه في أثر بعض متتابعا ، ومنه قولهم : سرد فلان الحديث. وهذا كما ألان الله تعالى للنبي صلىاللهعليهوسلم في الخندق تلك الكدية (١) وفي رواية : الكذانة وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم فضربها صلىاللهعليهوسلم ضربة واحدة ، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيبا أهيل لا ترد فأسا (٢) وتلك الصخرة التي أخبره سلمان رضي الله عنه أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها النبي صلىاللهعليهوسلم ثلاث ضربات كسر في كل ضربه ثلاثا منها وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة ، وأضاءت للصحابة رضي الله عنهم ما بين لابتي المدينة بحيث كانت في النهار كأنها مصباح في جوف بيت مظلم ، فسألوه عن ذلك فأخبرهم صلىاللهعليهوسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك ، وأخبره جبرائيل عليهالسلام أنها ستفتح على أمته ، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب ، وأخبر أنها مفتوحة لهم ، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب ، وأخبر بفتحها عليهم (٣) ، فصدقه الله تعالى في جميع ما قال ، وأعظم من ذلك تصليب الخشب له حتى يصير سيفا قوي المتن جيد الحديدة ، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش رضي الله عنه انقطع يوم أحد ، فأعطاه رسول الله صلىاللهعليهوسلم عرجونا فعاد في يده سيفا قائمة منه فقاتل به ، فكان يسمى العون ، ولم يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار (٤) ذكره الكلاعي في السيرة عن الزبير بن أبي بكر والبيهقي ، وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر فانقطع سيفه ، فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأعطاه جذلا من حطب ، فلما أخذه هزه فعاد في يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين ، وكان ذلك السيف يسمى العون ، ثم لم
__________________
(١) الكدية : الصخرة العظيمة.
(٢) أخرجه البخاري ٤١٠١ والبيهقي في الدلائل ٣ / ٤١٥ ـ ٤١٦ من حديث جابر مطولا في قصة حفر الخندق.
(٣) يشير المصنف إلى ما أخرجه النسائي في الكبرى ٨٨٥٨ وأحمد ٤ / ٣٠٣ من حديث البراء بن عازب بإسناد حسن كما قال ابن حجر في الفتح ٧ / ٣٩٧ (٤١٠١).
(٤) انظر السنن الكبرى للبيهقي ٦ / ٣٠٧ و ٣٠٨ ودلائل النبوة ٣ / ٢٥٠ والتاريخ لابن كثير ٤ / ٤٢.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
