ولما استعار للمعصية الرجس ، استعار للطاعة الطهر ، ترغيبا لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة ، في الطاعة ، وتنفيرا لهم عن المعصية فقال : (وَيُطَهِّرَكُمْ) أي يفعل في طهركم بالصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه ، وزاد ذلك عظما بالمصدر فقال : (تَطْهِيراً.)
ولما ذكر ذلك إلى أن ختم بالتطهير ، أتبعه التذكير بما أنعم سبحانه به مما أثره التطهير من التأهيل لمشاهدة ما يتكرر من تردد الملائكة بنزول الوحي الذي هو السبب في كل طهر ظاهر وباطن ، فقال مخصصا من السياق لأجلهن رضي الله عنهن ، منبها لهن على أن بيوتهن مهابط الوحي ومعادن الأسرار : (وَاذْكُرْنَ) أي في أنفسكن ذكرا دائما ، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم.
ولما كانت العناية بالمتلو ، بينها بإسناد الفعل إليه لبيان أنه عمدة الجملة فقال بانيا للمفعول : (ما يُتْلى) أي يتابع ويوالي ذكره والتخلق به ، وأشار لهن إلى ما خصهن منه من الشرف فقال : (فِي بُيُوتِكُنَ) أي بواسطة النبي صلىاللهعليهوسلم الذي خيركن (مِنْ آياتِ اللهِ) الذي لا أعظم منه.
ولما كان المراد بذلك القرآن ، عطف عليه ما هو أعم منه ، فقال مبينا لشدة الاهتمام به بإدخاله في جملة المتلو اعتمادا على أن العامل فيه معروف لأن التلاوة لا يقال في غير الكتاب : (وَالْحِكْمَةِ) أي ويبث وينشر من العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم ، ولا تنسين شيئا من ذلك.
ولما كان السياق للإعراض عن الدنيا ، وكانت الحكمة منفرة عنها ، أشار بختام الآية إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا ، فقال مؤكدا ردعا لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما تضمنه الخبر من جليل العبر : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له جميع العظمة (كانَ) أي لم يزل (لَطِيفاً) أي يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد (خَبِيراً) أي يدق علمه عن إدراك الأفكار ، فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالبا لها على أجمل الطرائق وأكمل الخلائق وإن رغمت أنوف جميع الخلائق ، ويعلم من يصلح لبيت النبي صلىاللهعليهوسلم ومن لا يصلح ، وما يصلح الناس دنيا ودينا وما لا يصلحهم ، والطرق الموصلة إلى كل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس «من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب» رواه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين رضي الله عنه «من توكل على الله كفاه ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» ـ رواه صاحب الفردوس وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب عن عمران رضي الله عنه أيضا ، ولقد صدق الله سبحانه وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه صلىاللهعليهوسلم بعد ذلك خيبر ، فأفاض
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
