من شجرة واحدة ، لا من جرميّة واحدة ومن مقدار واحد ، فليتحرّز من أخذ ما بالعرض مكان ما بالذّات.
تشريق
(١٣ ـ التشخّص وحكمه)
تعالوا أتل عليكم ما علّمنى ربّى من أمر «التشخّص». لعلّ لبّ القول وكنه المسألة أنّ النظام الجمليّ لعالم التقرّر بشخصيّته الّتي هو عليها أكمل النّظامات الممكنة ، ومن المستحيل بالذّات نظام آخر فوقه أو في رتبته بحسب الكمال ، ولك علينا تبيانه من ذي قبل إن شاء الله تعالى. فعناية البارئ الجواد ، عزّ اسمه ، إذ هو تامّ وفوق التمام ، قد أوجبت أن يفعله بذاته. فإذن ، النظام الجمليّ الواقع بنفسه مرتبط بالمبدع الحقّ. وهو ، سبحانه ، بنفس ذاته لا بتوسط أمر ما ، إذ لا خارج أصلا ، فاعله ومقتضيه ، فالنظام الوحدانىّ الجمليّ مرتبط بوحدته وهويّته بالواحد الحقّ المتشخّص بذاته ، فهو ، لا محاله ، موجود شخصيّ بالذّات ، ونحو وجوده فائضا عنه سبحانه هو تشخّصه ومبدأ شخصيّته.
وأمّا وكلّ من أجزاء نظام الكلّ من المفارقات والهيولانيّات فيتشخّص بالصّدور عن جاعله جزءا من النظام الجمليّ الواحد بالشخص. أفيتصوّر جزء الشّيء الشّخصيّ المتميّز عن سائر أجزائه في الوجود بما هو جزؤه الخاصّ المتميّز إلّا شخصيّا.
فإذن ، الأشياء إذا انبسطت وتفاصلت في لحاظ العقل وبانت عن المبدأ الأوّل ، صحّ تعليق [٢٩ ظ] البعض بالبعض. فيقال في بادي اللّحظ : هذا من ذاك ، ولأجل ذلك ابتداء بلا واسطة ، وإن انتهى الاستناد إليه ، سبحانه ، أخيرا بالضّرورة البرهانيّة.
وأمّا إذا لوحظت جملتها بحسب النظام المتّسق الجمليّ الواحد ، فليس هناك إلّا موجود واحد بالنظام ، متكثّر بالتأليف ، مستند بجميع أجزائه إلى الجاعل مرّة واحدة ، ومتشخص به ، فيكون هو الفاعل والغاية على الإطلاق ، وهو الوجود والتشخّص القائم بالذّات ، ولا وجود ولا تشخّص ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم. فهذا سرّ عظيم ربوبىّ قد انساق القول إلى تقديمه على حيّزه ، وأوصيكم بصونه إلّا عمّن يستأهله بسعة تعقّله واستضاءة سريرته.
![مصنّفات ميرداماد [ ج ١ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4204_mosannafat-mirdamad-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
