كلا ، ليس هذا إنكارا ، ولكن مشهد الخراب العنيف جعله في حيرة ، وعجز عن ادراك السبيل التي بها يعود أهل القرية الى الحياة.
(فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ). موتا حقيقيا ، لا مجازيا ، إذ لا موجب للتأويل. (ثُمَّ بَعَثَهُ). كما كان ، ولا يكثر شيء على من يقول للكون بمن فيه ، وما فيه : كن فيكون. ولا شيء أعجب وأغرب ممن قاس الخالق على المخلوق في قدرته .. ولا أدري : ما هو الوجه والقاسم المشترك المصحح للقياس.
حساب القبر :
(قالَ كَمْ لَبِثْتَ). هذا سؤال على وجه التقرير ، دون الاستفهام. (قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). ولو لا الإجماع والاخبار لأمكن القول بأنه لا حساب في القبر ، ولا سؤال إلا يوم الحشر ، استنادا الى هذه الآية ، والى الآية ٥٥ من سورة الروم : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ). ولا سبب لقسم المجرمين ، وغفلتهم عن الأمد الذي مر على موتهم الا عدم الحياة ، لأن الاحساس بالزمن لا يكون الا مع الحياة والوعي.
وقال الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات ، فصل «القول في أحوال المكلفين من رعايا الأئمة بعد الوفاة» : «ان الناس في ذلك على أربع طبقات : الأولى عرفت الحق وعملت به ، وهذه تحيا وتسعد بعد الموت ، وقبل النشر. الطبقة الثانية : عرفت الحق ، ولم تعمل به عنادا ، وهذه أيضا تحيا ، ولكن في العذاب والشقاء. الطبقة الثالثة : اقترفت الآثام والمعاصي تهاونا ، لا عنادا واستحلالا للحرام ، وهذه مشكوك في حياتها بعد الموت ، وقبل النشر. الطبقة الرابعة : المقصرون عن الطاعة من غير عناد ، والمستضعفون من سائر الناس ، وهؤلاء لا يحيون ، بل يبقون في عالم الأموات الى يوم النشر».
وأخذ الشيخ المفيد هذا التقسيم من روايات عن أهل البيت (ع) ، منها : «لا يعذّب في القبر كل ميت ، وانما يعذب من محض الكفر محضا ، وينعم من محض الإيمان محضا ، وما سوى هذين يلهى عنه ولا يسأل عن شيء الى يوم البعث والنشور». وقد تكلمنا عن ذلك مفصلا في كتاب فلسفة المبدأ
![التّفسير الكاشف [ ج ١ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2746_altafsir-alkashif-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
