الخلود في النار :
نص القرآن الكريم في أكثر من آية على ان نوعا من العصاة مخلدون في النار ، وبين ان من هذا النوع من كفر بالله وكذب بآياته ، قال جلت كلمته : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ـ البقرة ٣٩.» ومن قتل مؤمنا متعمدا ، قال جل جلاله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) ـ النساء ٩٢». (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها) ـ النساء ١٣». ومن أحاطت به خطيئته : (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ـ البقرة ٨١».
وليس من شك ان الله بموجب عدله لا يعذب الا من يستحق العذاب ، وان عذابه يختلف شدة وضعفا على حسب الجريمة والمعصية ، فجريمة من سعى في الأرض فسادا ، وأهلك الحرث والنسل غير جريمة من سرق درهما ، أو استغاب منافسا له في المهنة ، ومع هذا لنا أن نتساءل : ان في خلود الإنسان في النار الى ما لا نهاية ، تقذف رأسه بشرر كالقصر ، وتلهب ظهره بمقامع من حديد ، وتملأ جوفه بماء الصديد ، ثم لا يقضى عليه فيستريح ، ولا يخفف عنه فيسترد بعض أنفاسه ، وهو على ما هو من الضعف تؤلمه البقة ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة ، كما قال علي أمير المؤمنين (ع) ، نتساءل : هل هذا الأليم العظيم من العذاب لهذا العاجز الضعيف يلتئم مع ذات الله التي هي محض الخير والرحمة ، والكرم والامتنان ، واللطف والإحسان؟ .. ومن المعقول أن يعذب الى حين ، أو يحرم إطلاقا من النعيم .. أما هكذا أبدا كلما نضجت جلودهم بدّلهم جلودا غيرها ، دون انقطاع وبلا فترة استراحة ، أما هكذا أبدا ودائما فمحل تساؤل.
وإذا قال قائل : وأي عذاب مهما كان نوعه ، وطال أمده يكثر على قاتل الحسين بن علي (ع) ، أو على من ألقى قنبلة ذرية أو هيدروجينية على شعب فأفناه بكامله ، أو على من سن سنة سيئة طال أمدها ، وكثرت مفاسدها؟
قلنا في جوابه : أجل ، لا يكثر على من ذكرت أي أليم من العذاب ، ولكن ليس كل العصاة «يزيد» ، ولا كل القنابل ذرية وهيدروجينية ، ولا كل السنن
![التّفسير الكاشف [ ج ١ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2746_altafsir-alkashif-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
