التجاذب بين الحق والباطل :
نقل صاحب المنار في تفسيره عن الشيخ محمد عبده انه قال في تفسير هذه الآية : «ان في المسلمين من كتم ما أنزل الله بالتحريف والتأويل ، تماما كما فعل اليهود بكتمان وصف الرسول ، وهؤلاء المسلمون يشعرون بجاذبين متعاكسين : جاذب الحق الذي عرفوه ، وجاذب الباطل الذي ألفوه ، ذاك يحدث لهم هزة وتأثيرا ، وهذا يحدث لهم استكبارا ونفورا ، وقد غلب عقولهم ما عرفوا ، وغلب قلوبهم ما ألفوا ، فثبتوا على ما حرفوا ، وصاروا الى حرب عوان بين العقل والوجدان ، يتصورون الخطر الآجل ، فينتغص عليهم التلذذ بالعاجل ، ويتذوقون حلاوة ما هم فيه ، فيؤثرونه على ما سيصيرون اليه .. أليس هذا الشعور بخذل الحق ، ونصر الباطل نارا تشب في الضلوع؟. أليس ما يأكلونه من ثمن الحق ضريعا لا يسمن ، ولا يغني من جوع؟».
وهذا صحيح بالنسبة إلى بعض الأفراد الذين يحسون بوخز الضمير وتأنيبه ، وهم يقترفون الذنوب .. ولكن بعض الأفراد قد ألفوا الباطل ، واعتادوه ، حتى أصبح طبيعة ثانية لهم ، ويشعرون من أعماقهم بالعداء لكل ما فيه رائحة الحق والانسانية .. والآن أكتب هذه الكلمات في شهر حزيران سنة ١٩٦٧ ، وفي هذا الشهر المشئوم تغلب الاسرائيليون على بعض أطراف البلاد العربية بمعاونة بريطانيا وأمريكا ، وأخرجوا أهلها من ديارهم ، وشردوا أكثر من مائتين وخمسين ألفا ، وحرقوا الألوف من الرجال والنساء والأطفال بقنابل النابالم. وقد بارك هذه الفضائح كثيرون ، وطربوا لها ، وتمنوا لو ان إسرائيل استمرت في طغيانها الى غير حد .. ان الهوى عندهم قد طغى على العقل والوجدان ، حتى لم يبق لهما عينا ولا أثرا فصار من فقدوهما تماما كالبهائم ، وقد وصف الله هؤلاء بأنهم قوم لا يعقلون ، ولا يفقهون ، وبأنهم كالانعام ، بل أضل سبيلا.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ). ذلك اشارة الى العذاب الذي سينزل بالذين يكتمون الحق ، وقوله (بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ) بيان لسبب العذاب ، وهو جرأتهم على مخالفة الحق الذي جاء في كتاب الله.
(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ). اختلف المفسرون في
![التّفسير الكاشف [ ج ١ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2746_altafsir-alkashif-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
