وقد هدد الله سبحانه هذا الضال المضل في العديد من الآيات : منها ما تقدم في الآية ١٤٦ و ١٥٩ ، وما يأتي في سورة آل عمران ، والنساء ، والمائدة ، ومنها هذه الآية ، وكلها غضب ووعيد بأشد العذاب والعقاب ، لأن الحق يجب تقديسه وإعلانه بكل وسيلة ، ودفع الشبهات عنه ، وتحدي من يتحداه ، وتنفيذه بقوة السلاح ، والتضحية في سبيله بكل عزيز ، إذ لا قوام للدين ، ولا للنظام ، ولا للحياة الا به.
(ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ). أي ما يوجب العذاب في النار ، فهو من باب اطلاق المسبب ، وهو النار ، على السبب ، وهو أكل الحرام .. وذكر البطون ، مع العلم بأن الأكل لا يكون الا في البطن ، للاشارة الى انه لا همّ لهم الا امتلاء بطونهم.
(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ). كناية عن اعراضه عنهم ، وغضبه عليهم. (وَلا يُزَكِّيهِمْ) من الذنوب بالمغفرة. (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى). الضلالة اتباع الهوى ، والهدى اتباع كتاب الله ، وشراء الضلالة بالهدى أن يؤثر الباطل على الحق ، والهوى على الهدى.
(فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ). ليس هذا اخبارا عن صبرهم على النار ، ولا تعجبا من صبرهم عليها ، لأن التعجب منشأه الجهل بالسبب ، وهو ممتنع في حقه تعالى ، وانما القصد تصوير أقدامهم وجرأتهم على الله بترك أحكامه وحدوده ، واتباعهم الباطل والضلال ، القصد تصوير حالهم هذه ، وتمثيل مآلهم الذي لا يمكن الصبر عليه بحال ، قال الرازي : لما أقدموا على ما يوجب النار صاروا كالراضين بعذاب الله ، والصابرين عليه .. فهو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن؟.
وتسأل : هذا حال من عرف الحق وكتمه ، فما هو حال من لم يعرف شيئا مما أنزل الله ، ومع ذلك يقول : هذا حلال ، وذاك حرام ، ولا مستند له الا الوهم والخيال؟.
الجواب : ان هذا أسوأ حالا ممن عرف الحق وكتمه ، لأنه قد أقام نفسه مقام الله جل وعلا ، واتخذ منها مصدرا للتشريع ، والتحليل والتحريم.
![التّفسير الكاشف [ ج ١ ] التّفسير الكاشف](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2746_altafsir-alkashif-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
