ولما كان الدليل على تطابق الأراضي دقيقا وحدها فقال : (وَالْأَرْضَ) أي على ما فيها من المنافع (وَما بَيْنَهُما) أي النوعين وبين كل واحدة منهما وما يليها (لاعِبِينَ) أي على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص ، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعبا ، بل اللعب أخف منه ، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين لصفة القدوسية ، فإنه «لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق من قويها غير متعتع» (١) ـ رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وابن جميع في معجمه عن جابر ، وصاحب الفردوس عن أبي موسى رضي الله عنهم رفعوه ، وهو شيء لا يرضى به لنفسه أقل حكام الدنيا ، فكان هذا برهانا قاطعا على صحة الحشر ليظهر هناك الفصل بالعدل والفضل.
ولما نفى أن يكون خلق ذلك اللعب الذي هو باطل ، أثبت ما خلقه له ولم يصرح بما في البين لأنه تابع ، وقد نبه عليه ما مضى ، فقال مستأنفا : (ما خَلَقْناهُما) أي السماوات والأراضي مع ما بينهما (إِلَّا بِالْحَقِ) من الحكم بين من فيهما ، فمن عمل الباطل عاقبناه ومن عمل الحق أثبناه ، وبذلك يظهر غاية الظهور إحاطتنا بجميع أوصاف الكمال كما نبهنا عليه أهل الكمال في هذه الدار بخلقهما الذي واقعه مطابق للحق ، وهو ما لنا من تلك الصفات المقتضية للبعث لإحقاق الحق وإبطال الباطل بما لا خفاء فيه عند أحد.
ولما كان أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر في دليله وإن كان قطعيا بديهيّا قال : (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ) أي أكثر هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون : (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى) وكذا من نحا نحوهم (لا يَعْلَمُونَ) أي أنا خلقنا الخلق بسبب إقامة الحق فهم لأجل ذلك يجترئون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا ، ولو تذكروا ما ركزناه في جبلاتهم لعلموا علما ظاهرا أنه الحق الذي لا معدل عنه كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم ، ويشرطون الحكم بالحق ، ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه. ولما كان كأنه قيل : إنا نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين ، وأكثر الظالمين يذهبون ظافرين بمطالبهم مسرورين ، فمتى يكون هذا الحق؟ قال جوابا لذلك مؤكدا لأجل
__________________
(١) صحيح. أخرجه ابن ماجة ٢٤٢٦ من حديث أبي سعيد بأتم منه وقال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح رجاله ثقات ، وأخرجه البيهقي في الشعب ٧٥٤٨ من حديث بريدة و ٧٥٤٩ من حديث جابر ، وكلا الإسنادين غير قوي لكن يصلحان للاعتبار.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
