وزهدهم منه بقوله : (مِمَّا جَعَلَكُمْ) أي بقدرته (مُسْتَخْلَفِينَ) أي مطلوبا موجودا خلافتكم (فِيهِ) وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في تمهيد سبيله فطيبوا بها نفسا لأنها ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم خزان ، وخافوا من عزلكم من الخلافة بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم أمرها ، إما في حياتكم ، وإما بعد مماتكم ، كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ما وصل من أموالهم ، «فليس لكم منها إلا ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم فأبقيتم ـ وفي رواية : فأمضيتم» (١) وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال غيره إذا كان أذن له فيه.
ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله ، سبب عنه ما يرغب فيه فقال مبالغا في تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير عنه بالجملة الاسمية وبناء الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك : (فَالَّذِينَ آمَنُوا) وبين أن هذا خاص بهم لضيق الحال في زمانهم فقال : (مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا) أي من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح كما دل عليه التعبير بالإنفاق (لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم.
(وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠))
ولما رغب في الإنفاق والإيمان ، وكان الإيمان مقتضى بالإنفاق ، عجب ممن لا يبادر إلى الحاصل على كل خير ، فقال مفصلا لما أجمل من الترغيب فيهما ، بادئا بأبين كل خير ، منفسا عنهم بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة بالعفو عن الماضي مرهبا موبخا لمن لا يبادر إلى مضمون ما دخل عليه الاستفهام ، عاطفا على ما تقديره : فما لكم لا تبادرون إلى ذلك : (وَما) أي وأيّ شيء (لَكُمْ) من الأعذار أو غيرها في أنكم ، أو حال كونكم (لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ) أي تجددون الإيمان ـ أي تجديدا مستمرا ـ بالملك الأعلى أي الذي له الملك كله والأمر كله بعد سماعكم لهذا الكلام : لأن «لا» لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال ، ولو عبر بعبارة تدل على الحال لربما تعنت
__________________
(١) أخرجه مسلم ٢٩٥٨ والترمذي ٢٣٤٢ والنسائي ٦ / ٢٣٨ وابن حبان ٧٠١ من حديث مطرف عن أبيه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
