على قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير وأبي جعفر وابن عامر من أكثر طرقه إلا أنه شدد الصاد للمبالغة في الفصل : (يَفْصِلُ) أي يوقع الفصل وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب (بَيْنَكُمْ) أي أيها الناس فيدخل من شاء من أهل طاعته الجنة ، ومن شاء من أهل معصيته النار ، فلا ينفع أحد أحدا منكم بشيء من الأشياء إلا إن كان قد أتى الله بقلب سليم فيأذن الله في إكرامه بذلك.
ولما كان التقدير إعلاما بأن الله هو الفاصل وهو الضار النافع بما دلت عليه قراءة الباقين إلا أن حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة إشارة إلى عظمة هذا الفصل بخروجه عن المألوف عودا إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الأمر بانتشار الخلائق وأعمالهم : فالله على ذلك قدير ، عطف عليه قوله : (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة التامة (بِما تَعْمَلُونَ) أي من كل عمل في كل وقت (بَصِيرٌ) فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة ، وقد مضى غير مرة أن تقديم الجار في مثل هذا للتنبه على مزيد الاعتناء بعلم ذلك لا على الاختصاص ولا لأجل الفواصل.
(قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥))
ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك ، وكانت عادته التربية بالماضين ، كان موضع توقع ذلك فقال معبرا بأداة التوقع : (قَدْ كانَتْ) أي وجدت وجودا تاما ، وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على أدنى الوجوه (لَكُمْ) أي أيها المؤمنون (أُسْوَةٌ) أي موضع اقتداء وتأسية وتسنن وتشرع وطريقة مرضية (حَسَنَةٌ) يرغب فيها (فِي إِبْراهِيمَ) أي في قول أبي الأنبياء (وَالَّذِينَ مَعَهُ) أي ممن كانوا قبله من الأنبياء ، قال القشيري : وممن آمن به في زمانه كابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسّلام وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة (إِذْ) أي حين (قالُوا) وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف (لِقَوْمِهِمْ) الكفرة ، وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى وكان لهم فيهم أرحام وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات.
ولما كان ما ذكر من ضعفهم وقوة قومهم مبعدا لأن يبارزوهم ، أكدوا قولهم فقالوا : (إِنَّا) أي من غير وقفة ولا شك (بُرَآؤُا) أي متبرئون تبرئة عظيمة (مِنْكُمْ)
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
