الأنصار الذين أسلموا بعد النبي صلىاللهعليهوسلم إلى يوم القيامة ، ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ما مضى في الذي قبله فقال تعالى : (يَقُولُونَ) أي على سبيل التجديد والاستمرار تصديقا لإيمانهم بدعائهم لمن سنه لهم : (رَبَّنَا) أي أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا. ولما كان الإنسان وإن اجتهد موضعا للنقصان قال ملقنا لنا : (اغْفِرْ) أي أوقع الستر على النقائص أعيانها وآثارها (لَنا) ولما بدؤوا بأنفسهم ، ثنوا بمن كان السبب في إيمانهم فقالوا : (وَلِإِخْوانِنَا) أي في الدين فإنه أعظم أخوة ، وبينوا العلة بقولهم : (الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد لهم ما هم فيه ، أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم معهم على وجه يعم من قبلهم ، فقال معلما بأن الأمر كله بيده حثا على الالتجاء إليه من أخطار النفس التي هي أعدى الأعداء : (وَلا تَجْعَلْ) وأفهم قوله : (فِي قُلُوبِنا) أن رذائل النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب أوشك أن لا تؤثر (غِلًّا) أي ضغنا وحسدا وحقدا وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام (لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته.
ولما كان هذا دعاء جامعا للخير ، لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به مع ما فيه من التملق للإله والتعريض له بقوة الرجاء فقال : (رَبَّنَا) أي أيها المحسن إلينا بتعليم ما لمن نكن نعلم ، وأكدوا إعلاما بأنهم يعتقدون ما يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات فقالوا : (إِنَّكَ رَؤُفٌ) أي راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير (رَحِيمٌ) مكرم غاية الإكرام لمن أردته ولو لم يكن له وصلة ، فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن يكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة ، أو لا فنكون من أهل الرحمة ، فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة رضي الله عنهم فليس ممن عنى الله بهذه الآية.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤))
ولما دل على أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان بإقامة السنة بالهجرة والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل به طريق الأمان ، فأخرج ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا رسوخ لهم في الإيمان الحامل على ذلك ، دل على
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
