عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها. ولما كان في سياق الرد عليهم والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال : (وَما فِي الْأَرْضِ) كذلك.
ولما كان المقام للتعميم ، أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من الخلق فقال : (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (بِكُلِّ شَيْءٍ) أي مما ذكر ومما لم يذكر (عَلِيمٌ).
ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة ، قال مترجما له مبكتا لهم عليه معبرا بالمضارع تصويرا لحاله في شناعته : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ) أي يذكرون ذكر من اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة ، إنما فعلها لحاجتك إليها لا لقصد الثواب عليها ، لأن المن هو القطع ـ قال في الكشاف : لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير ، من غير أن يعمد لطلب مثوبة ، ثم يقال : من عليه ضيعة ـ إذا اعتده عليه منة وإنعاما. ولما كان الإسلام ظاهرا في الدين الذي هو الانقياد بالظاهر مع إذعان الباطن لم يعبر به ، وقال : (أَنْ أَسْلَمُوا) أي أوقعوا الانقياد للأحكام في الظاهر.
ولما كان المن هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء ، قال : (قُلْ) أي في جواب قولهم هذا : (لا تَمُنُّوا) معبرا بما من المن إشارة إلى أن الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله ، فلا ينبغي عده صنيعة على أحد ، فإن ذلك يفسده (عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) لو فرض أنكم كنتم مسلمين أي متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع إذعان الباطن ، أي لا تذكروه على وجه الامتنان أصلا ، فالفعل وهو (تَمُنُّوا) مضمن «تذكروا» نفسه لا معناه كما تقدم في (وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ بَلِ اللهُ) أي الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه (يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) أي يذكر أنه أسدى إليكم نعمه ظاهرة وباطنة منها ما هو (أَنْ) أي بأن (هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) أي بينه لكم أو وفقكم للاهتداء وهو تصديق الباطن مع الانقياد بالظاهر ، والتعبير عن هذا بالمن أحق مواضعه ، فإنه سبحانه غير محتاج إلى عمل فإنه لا نفع يلحقه ولا ضر ، وإنما طلب الأعمال لنفع العاملين أنفسهم ، ومن عليهم بأن أرسل رسوله صلىاللهعليهوسلم فبين لهم فكذبوه بأجمعهم ، فلم يزل يقويه حتى أظهر فيه آية مجده وأظهر دينه على الدين كله ، ودخل فيه الناس طوعا وكرها على وجوه من المجد يعرفها من استحضر السيرة ولا سيما من عرف أمر بني أسد وغطفان الذين نزلت فيهم هذه الآيات ، وكيف كان حالهم في غزوة خيبر وغيره.
ولما كان المراد بهذا تجهيلهم وتعليمهم حقائق الأمور ، لا الشهادة لهم بالهداية ، قال منبها على ذلك : (إِنْ كُنْتُمْ) أي كونا أنتم عريقون فيه (صادِقِينَ) في ادعائكم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
