يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧))
ولما نهى سبحانه عن الإخلال بالأدب ، وأمر بالمحافظة على التعظيم ، وذكر وصف المطيع ، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به ، فقال مؤكدا لأجل أن حالهم كان حال من يدعي عقلا تاما : (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ) أي يجددون نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن (مِنْ وَراءِ) إثبات هذا الجار يدل على أنه صلىاللهعليهوسلم كان داخلها ، ولو سقط لم يفد ذلك ، بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على حد سواء ، وذلك بأن يكون الكل خارجها ، والوراء : الجهة التي تواريك وتواريها من خلف أو قدام.
ولما كان الرسول صلىاللهعليهوسلم من العظمة في نفسه وفي تبليغ رسالات الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد. فليس لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء ، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرة واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال : (الْحُجُراتِ) ولم يضفها إليه إجلالا له ، وليشمل كونه في غيرها أيضا ، والمعنى : مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك ، وهي جمع حجرة ، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل ، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله ، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة ، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي.
ولما كان الساكت قد لا يكون راضيا قال : (أَكْثَرُهُمْ) أي المنادي والراضي دون الساكت لعذر (لا يَعْقِلُونَ) لأنهم لم يصبروا ، بل فعلوا معه صلىاللهعليهوسلم كما يفعل بعضهم مع من يماثله ، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار.
ولما ذمهم بسوء عملهم ، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي المنادي والراضي (صَبَرُوا) أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم ، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة ، وصبر عن كذا ـ محذوف الفعل لكثرة دوره ، أي نفسه (حَتَّى تَخْرُجَ) من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق. ولما كان الخروج قد يكون إلى غيرهم من المصالح ، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليه قال : (إِلَيْهِمْ) أي ليس
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
