ولما كان ما ذكر من عذاب الأعداء وثواب الأولياء متوقفا على تمام العلم ونهاية القدرة التي يكون بها الانتقام والسطوة قال تعالى : (وَكانَ اللهُ) الملك الذي لا أمر لأحد مع أزلا وأبدا (عَزِيزاً) يغلب ولا يغلب (حَكِيماً) يضع الشيء في أحكم مواضعه ، فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه سبحانه وتعالى.
ولما تبين أنه ليس لغيره مدخل في إيجاد النصر ، وكانت السورة من أولها حضرة مخاطبة وإقبال فلم يدع أمر إلى نداء بياء ولا غيرها. وكان كأنه قيل : فما فائدة الرسالة إلى الناس؟ أجيب بقوله تقريرا لما ختم به من صفتي العزة والحكمة. (إِنَّا) بما لنا من العزة والحكمة (أَرْسَلْناكَ) أي بما لنا من العظمة التي هي معنى العزة والحكمة إلى الخلق كافة (شاهِداً) على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان ، من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبا عنك فبكتابك ، مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة.
ولما كانت البشارة محبوبة إلى النفوس رغبهم فيما عنده من الخيرات وحببهم فيه بصوغ اسم الفاعل منها مبالغة فيه فقال تعالى : (وَمُبَشِّراً) أي لمن أطاع بأنواع البشائر. ولما كانت لنذارة كريهة جدا ، لا يقدم على إبلاغها إلا من كمل عرفانه بما فيها من المنافع الموجبة لتجشم مرارة الإقدام على الصدع بها ، أتى بصيغة المبالغة فقال تعالى : (وَنَذِيراً).
(لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠))
ولما ذكر حال الرسالة ، ذكر علتها فقال : (لِتُؤْمِنُوا) أي الذين حكمنا بإيمانهم ممن أرسلناك إليهم ـ هذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب ، وعلى قراءة الباقين بالخطاب المعنى. أيها الرسول ومن قضينا بهداه من أمته ، مجددين لذلك في كل لحظة مستمرين عليه ، وكذا الأفعال بعده ، وذلك أعظم لطفا لما في الأنس بالخطاب من رجاء الاقتراب (بِاللهِ) أي الذي لا يسوغ لأحد من خلقه ـ والكل خلقه ـ التوجه إلى غيره لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام (وَرَسُولِهِ) الذي أرسله من له كل شيء ملكا وملكا إلى جميع خلقه.
ولما كان الإيمان أمرا باطنا ، فلا يقبل عند الله إلا بدليل ، وكان الإيمان بالرسول إيمانا بمن أرسله ، والإيمان بالمرسل إيمانا بالرسول ، وحد الضمير فقال : ويعزروه
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
