مبلغ في البيان وإعذار ، ثم قال تعالى : (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على هذا المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب ـ فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي آية باهرة إلى يوم الدين ، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بيانا كافيا ونورا هاديا وواعظا شافيا ـ جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة ـ انتهى.
(وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧))
ولما كان التقدير : فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا : سحر ، مع علمهم بأنه دال قطعا على صدق من انشق لتصديقه ، عطف عليه الإعلام بحالهم في المستقبل فطما لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء إيمانهم فقال : (وَإِنْ يَرَوْا) أي فيما يأتي (آيَةً) أي أية آية كانت (يُعْرِضُوا) أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها ، وقال بعضهم : سحر ، وقال بعضهم : أمهلوا حتى يجيء السفار ، فإن قالوا : إنهم رأوا كما رأيتم فليست بسحر ، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم ، فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقا ، ومع ذلك فلم يؤمنوا (وَيَقُولُوا) أي على سبيل التجديد منهم والاستمرار : هذا (سِحْرٌ) أي هذا الذي يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو (مُسْتَمِرٌّ) أي لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع الأنواع ، ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة.
ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته ، تسبب منهم عن الانشقاق بقوله : (وَكَذَّبُوا) أي بكون الانشقاق دالا على صدق الرسول صلىاللهعليهوسلم وجزموا بالتكذيب عنادا أو خبثا منهم. ولما كان التكذيب في نفسه قد يكون حقا ، قال مبينا أنه باطل ، فبين عن حالهم بقوله : (وَاتَّبَعُوا) أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق (أَهْواءَهُمْ) أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطر الأولى عقولهم ، قال القشيري : إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب ، لأن الله سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد ، واتباع الرضى مقرون
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
