ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان ، أدخل الجارّ فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل هذه الأمم كلها ، ثم علل إهلاكهم بقوله : (إِنَّهُمْ كانُوا) خلقا وطبعا ، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم (قَوْماً) أي أقوياء (فاسِقِينَ) أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين.
(وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠))
ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء ، وطلع من الأرض بغير حساب ، كان ربما ظن ظان أن ذلك كان الخلل كان فيهما ، ثم أصلح بعد ذلك كما يقع لبعض من يصنع من الملوك صنعا يبالغ في إتقانه فيختل ، قال عاطفا على ما نصب «يوم» مبينا أن فعل ذلك ما كان بالاختيار ، دالّا على وحدانيته لتمام القدرة الدالة على ما تقدم من أمر البعث : (وَالسَّماءَ بَنَيْناها) بما لنا من العظمة (بِأَيْدٍ) أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها. ولما كانت السماء أليق لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية ، قال ، وأكد لما يلزم إنكارهم البعث من الطعن في القدرة : (وَإِنَّا) على عظمتنا مع ذلك (لَمُوسِعُونَ) أي أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى ، أي قدرة ، من الوسع وهو اللطافة ، وكذلك أوسعنا مقدار جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا يصح فيها الشركة أصلا ، ومطيقون لما لا يحصى من أمثال ذلك ، ومما هو أعظم منه مما لا يتناهى ، ومحيطون بكل شيء قدرة وعلما ، وجديرون وحقيقون بأن يكون ذلك من أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ما نريد ، فلسنا كمن يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة ، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى وما تريدون في جنبه ، ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد : (وَالْأَرْضَ فَرَشْناها) كذلك بما لنا من العظمة ، فصارت ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا لأرض الجنة وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها (فَنِعْمَ) أي فتسبب عن ذلك أن يقال في وصفنا : نعم (الْماهِدُونَ) أي نحن لكمال قدرتنا ، فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيارنا من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إنباته ، ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا ، وذلك تذكير بالجنة والنار ، فما فوقها من خير فهو آية على الجنة ، وما فيها من جبال ووهاد وعر وخروبة فهو آية على النار.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
