ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به ، وكانت المماليك إنما تقام بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت العظمة ، فكان لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به ، سبب عن الاستهزاء بالرسل الهلاك فقال : (فَأَهْلَكْنا) وكان الأصل الإضمار ، ولكنه أظهر الضمير بيانا لما كان في الأولين من الضخامة صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلىاللهعليهوسلم تسلية له وإبلاغا في وعيدهم فقال : (أَشَدَّ مِنْهُمْ) أي من قريش الذين يستهزئون بك (بَطْشاً) من جهة العد والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم أضعف منهم إن تمادوا في الاستهزاء برسول الله الأعلى.
ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عند الإهلاك كان أضعف حال ليعتبر هؤلاء فقال : (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي وقع إهلاكهم الذي كان مثلا يتمثل به من بعدهم ، وذكر أيضا في القرآن الخبر عنه بما حقه أن يشير مشير المثل بل ذكر أن من عبده الأولون واعتمدوا عليه مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين أنفسهم فكيف بهؤلاء ، فإن الحال أدى إلى أنهم أضعف من الأضعف من بيت العنكبوت فلينتظروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك ، بأيدي جند الله من البشر أو الملائكة.
ولما كان التقدير : فلئن سألتهم عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من الصدق ، عطف عليه قولهم مبينا لجهلهم بوقوعهم في التناقض مؤكدا له لما في اعترافهم به من العجب المنافي لحالهم : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أيضا عما هو أكبر من ذلك وأدل على القدرة ، وجميع صفات الكمال فقلت لهم : (مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ) على علوها وسعتها (وَالْأَرْضَ) على كثرة عجائبها وعظمتها (لَيَقُولُنَ) أي من غير توقف.
ولما كان السؤال عن المبتدأ ، كان الجواب المطابق ذكر الخبر ، فكان الجواب هنا : الله ـ كما في غيره من الآيات ، لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية لافتا القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف القدرة على كل شيء ، وأنه تعالى يغلب كل شيء ، ولا يغلبه شيء مكررا للفعل تأكيدا لاعترافهم زيادة في توبيخهم وتنبيها على عظيم غلطهم ، فقال معبرا بما هو لازم لاعترافهم له سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء لمقصود السورة وللإبانة التي هي مطلعها. (خَلَقَهُنَ) الذي هو موصوف بأنه (الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) أي الذي يلزم المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف بأنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء وأن علمه محيط بكل شيء ، فيقدر على إيجاده على وجه من
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
