صفات الكمال. ولما كان آخر الآيات التي قدمها الرياح ، ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال : (الَّذِي سَخَّرَ) أي وحده من غير حول منكم في ذلك بوجه من الوجوه (لَكُمُ) أيها الناس بركم وفاجركم (الْبَحْرَ) بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القابلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه يطفو عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به المراد (لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ) أي السفن (فِيهِ بِأَمْرِهِ) ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها.
ولما كان التقدير : لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به ، عطف عليه قوله : (وَلِتَبْتَغُوا) أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص وغير ذلك (مِنْ فَضْلِهِ) لم يصنع شيئا منه سواه. ولما كان التقدير : لتظهر عليكم آثار نعمته ، عطف عليه قوله تعالى : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي ولتكونوا بحيث يرجو منكم من ينظر حالكم ذلك شكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في الدنيا والآخرة.
(وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥))
ولما ذكر آية البحر لعظمتها ، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ذلك كله على عظمه إلا لنا ، تنبيها على أن الأمر عظيم فقال تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمْ) أي خاصة ولو شاء لمنعه (ما فِي السَّماواتِ) بإنزاله إليكم منبها على أنها بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه ، وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم ، وأفعالهم أفعال من ينكره ، فقال : (وَما فِي الْأَرْضِ) وأوصلكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه ، وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله : (جَمِيعاً) حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها (مِنْهُ) لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك ، قال الرازي في اللوامع : قال أبو يعقوب النهرجوري : سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء ، وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى ، فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه ، وقال القشيري : ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه للانسان به انتفاع ، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
