أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦))
ولما كانت المعاصي تعمي القلب فكيف بأعظمها ، علله بقوله : (ذلِكَ) أي الأمر العظيم في البعد من الخير من الكذب بالإخبار بالشهادة والحلف على الصدق والصد عن السبيل والوصف لعملهم بالسوء (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا) أي بسبب أنهم أقروا بالإيمان بألسنتهم من غير مطابقة لقلوبهم. ولما كان الكفر مستبعدا فكيف إذا كان بعد الإقرار ، عبر بأداة البعد لذلك ولتفهم الذم على التعقيب من باب الأولى ، ولئلا يتوهم أن الذم إنما هو على تعقيب الإيمان بالكفر فقط ، لا على مطلقه ، فالتعبير بثم يفهم أن من استمر طول عمره على الإيمان ثم كفر قبل موته بلحظة كان له هذا الذم فقال : (ثُمَّ كَفَرُوا) أي سرا فهابوا الناس ولم يهابوا الله. ولما كان مجرد الطبع على القلب في غاية البشاعة ، كان مفهما لبشاعة ما كان منه من الله من باب الأولى ، بني للمجهول قوله : (فَطُبِعَ) أي فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه (عَلى قُلُوبِهِمْ) لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق حتى مرنوا على الكفر واستحكموا فيه ، وكذلك من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها (فَهُمْ) أي فتسبب عن ذلك أنهم (لا يَفْقَهُونَ) أي لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء فهم لا يميزون صوابا من خطأ ولا حقا من باطل لأن المختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا يخرج منه شيء.
ولما وصف سبحانه بواطنهم بما زهد فيهم لأن الإنسان بعقله كما أن المأكول بشكله ، وكانت لهم أشكال تغر ناظرها لأن العرب كانت تقول : جمال المنظر يدل غالبا على حسن المخبر ، قال تعالى : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ) أي أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة أو أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر (تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) لضخامتها وصباحتها ، فإن غايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم ، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ابن أبي ـ يعني ـ الذي نزلت السورة بسببه ـ جسيما فصيحا صحيحا ذلق اللسان ، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله صلىاللهعليهوسلم ويستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم. ولما وصف البواطن والظواهر ، وكان قولهم : المرء بأصغريه قلبه ولسانه مشروطا كما
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
