ولما كانوا كالقاطعين بأن ذلك ينفعهم ، أكد قوله : (وَإِنَّ الظَّنَ) أي مطلقا في هذا وغيره ، ولذلك أظهر في موضع الإضمار (لا يُغْنِي) إغناء مبتدئا (مِنَ الْحَقِ) أي الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله ، والظن إنما يعبر به في العمليات لا العمليات ولا سيما الأصولية (شَيْئاً) من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبدا إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين ، فإن المقصود بتحقق الأمر على ما هو عليه في الواقع ، وأما الفروع فإن المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه ، وهو رده إلى الأصول المستنبط منها لعجز الإنسان على القطع في جميع الفروع ، تنبيها على عجزه وافتقاره إلى الله ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له من الأحقاف.
(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢))
ولما كانوا بعد مجيء الهدى قد أصبروا على الهوى ، وكانت هذه السورة في أوائل ما نزل ، والمؤمنون قليل ، سبب عن ذلك : (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى) أي كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة من ولى (عَنْ ذِكْرِنا) أي ذكره إيانا ، فأعرض عن الذكر الذي أنزلناه فلم ينله ولم يتدبر معانيه فلا يلتفت إلى شيء علمه فإنه مطموس على قلبه ولو كان ذهنه أرق من الشعر فإنه لا يؤول إلا إلى شر ولا (تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر : ٨] فإنه ما عليك إلا البلاغ.
ولما كان المعرض في وقت قد يقبل في آخر ، دل على دوامه على وجه بليغ بقوله : (وَلَمْ يُرِدْ) أي في وقت من الأوقات (إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) أي الحاضرة ليقصده بالمحسوسات كالبهائم في العمى عن دناءتها وحقارتها ، ثم ترجم جملتي الإعراض والإرادة بقوله : (ذلِكَ) أي الأمر المتناهي في الجهل والقباحة (مَبْلَغُهُمْ) أي نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم ، وتهكم بهم بقوله : (مِنَ الْعِلْمِ) أنه لا علم لهم لأن عيون بصائرهم عمي ، ومرائبها كثيفة مظلمة لا تكشف عن نظر الآخرة التي هي أصل العلوم كلها ، ثم علل هذه الجملة بقوله مؤكدا قطعا لطمع من يظن أن وعظه وكلامه يرد أحدا من غيه وإن أبلغ في أمره ودعائه في سره وجهره ، وإعلاما بأن
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
