يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ) وإفراده في قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي على أن الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ونسبته إلى كل بصر على حد سواء ، وجمع على لغة «أكلوني البراغيث» تفي قراءة الباقين بضم الخاء وتشديد الشين مفتوحة أو مستندا المدعوين ، والإبصار يدل بعض الإشارة إلى أن كل ذلك موزع على الأبصار.
ولما بين من حالهم هكذا ما يدل على نكارة ذلك اليوم ، بين كيفية خروجهم بيانا لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال : (يَخْرُجُونَ) أي على سبيل التجدد الأشرف فالأشرف (مِنَ الْأَجْداثِ) أي القبور المهيأة لسماع النفخ في الصور (كَأَنَّهُمْ) في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم وقويهم (جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره بعدما كان فيه من سكون مختلط بعضه ببعض ، لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو خلى ونفسه.
(مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢))
ولما كان الانتشار قد يكون وجه المهل والوقار ، قال مبينا أن الأمر على خلاف ذلك زيادة في هول ذلك اليوم وتقريرا لما تقدم من وصفه : (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه ، مادين أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذل وخضوع وصمت واستكانة : ولما بين حال الكل حصر حال المبطلين فقال : (يَقُولُ) أي على سبيل التكرار : (الْكافِرُونَ) أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة : (هذا) أي الوقت الذي نحن فيه بما نرى من الأهوال (يَوْمٌ عَسِرٌ) أي في غاية العسر والصعوبة والشدة ، وذلك بحسب حالهم فيه.
ولما تقدم أمره سبحانه لنبيه صلىاللهعليهوسلم بالتولي عنهم تهديدا لهم ، وصرح بما أراد من أمر الساعة لما دعا إلى ذلك من تقدم ذكرها ، ولأنها أشد هول يهددون به ، وبيانا أن الخلق ما خلق إلا لأجلها لأنها محط الحكمة ، وختم بعسرها على الكافرين ، تمم ذلك التهديد بعذاب الدنيا ردعا لأهل الغلظة الموكلين بالمحسوسات ، فذكر عسر يوم كان على الكافرين فيها ، فقال مهددا لقريش بجعل القصة مثلا لهم في إهلاكهم وفي أمر الساعة من حيث إنه كما أهلك أهل الأرض في آن واحد بما أرسله من الماء فهو قادر على أن يهلكهم في آن واحد بالصيحة ، وكما صرف هذا التصريف الذي ما سمع بمثله في
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
