عارفون بأن إنذاره لا يتخلف (مُعْرِضُونَ) ومن غوائله آمنون ، فهم بما يغضبنا فاعلون ، شهدت عندهم شواهد الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا إليها وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله فأعرضوا عنها واشمأزوا منها.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦))
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمهالله تعالى : لما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه ، وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه وتعالى قد نصب من دلائل السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة ، ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيىء محالهم ، أردفت بسورة الأحقاف تسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما باليم منقلبهم فقال تعالى (ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) ولو اعتبروا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثا ، ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) ثم أخذ سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) ـ إلى قوله : (وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ) ثم ذكر عنادهم عند سماع الآيات فقال : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ) الآيات ، ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة ـ انتهى.
ولما قرر سبحانه الأصل الدال على التوحيد وإثبات العدل والرحمة بالبعث للفصل ، وكانوا يقولون : إنهم أعقل الناس ، وكان العاقل لا يأمن غوائل الإنذار إلا أن أعد لها ما يتحقق دفعه لها وكان لا يقدر على دفع المتوعد إلا من يساويه أو يزيد عليه بشركة أو غيرها ، وكانوا يدعون في أصنامهم أنها شركاء ، بنى على ذلك الأصل تفاريعه ، وبدأ بإبطال متمسكهم فقال سبحانه وتعالى آمرا له صلىاللهعليهوسلم بأن ينبههم على سفههم بأنهم أعرضوا عما قد يضرهم من غير احتراز منه دالا على عدم إلهية ما دعوه آلهة بعدم الدليل على إلهيتها من عقل أو نقل ، لأن منصب الإلهية لا يمكن أن يثبت وله من الشرف ما هو معلوم بغير دليل قاطع : (قُلْ) أي لهؤلاء المعرضين أنفسهم لغاية الخطر منكرا عليهم تبكيتا وتوبيخا : (أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني بعد تأمل ورؤية باطنة (ما تَدْعُونَ)
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
