ولما علم الحال من هذا ومما في أول السورة ، أتبعه التصريح بما أفاده مجموعا أحسن جمع مصورا أحسن تصوير فقال تعالى : (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة (عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ) متعمدين لقتالكم كائنين (فِي الدِّينِ) ليس شيء من ذلك خارجا عنه ، لتكون العداوة في الله (وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) أي بأنفسهم لبغضكم (وَظاهَرُوا) أي عاونوا غيرهم (عَلى إِخْراجِكُمْ) ولما تناول هذا المقصودين صريحا ، وكان النهي الذي موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم تأكيدا له ، عرف بالمقصود بقوله : (أَنْ) أي إنما ينهاكم عن المذكورين في أن (تَوَلَّوْهُمْ) أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى الوجوه ـ بما أشار إليه إسقاط التاء.
ولما كان التقدير : فمن أطاع فأولئك هم المفلحون ، عطف عليه قوله : (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ) أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من المنابذة ، وأطلق ولم يقيد ب «منكم» ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين وغيرهم : (فَأُولئِكَ) أي الذين أبعدوا عن العدل (هُمُ) أي خاصة لا غيرهم العريقون في أنهم (الظَّالِمُونَ) أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي.
ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبي صلىاللهعليهوسلم سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة ـ شرفها الله تعالى ـ لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذين كانوا قد تحيزوا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم فكانوا في عقده وعهده في صلح الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي صلىاللهعليهوسلم ومن دخل في عقده ، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبي صلىاللهعليهوسلم من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلما ، ومن جاءهم ممن كان مع النبي صلىاللهعليهوسلم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من الصحابة رضي الله عنهم من أعظمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى سكنه الصديق رضي الله تعالى عنه بما وقر في صدره من الحكم ، ورد إليهم صلىاللهعليهوسلم أبا بصير رضي الله عنه ، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق لقوله صلىاللهعليهوسلم «أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا» (١) وقصته في ذلك كله مشهورة ، وكانت «من» من صيغ العموم ، وكانت دلالة العام قطعية
__________________
(١) أخرجه البخاري ٢٧١١ و ٢٧١٢ و ٢٧٣١ و ٢٧٣٢ وأحمد ٤ / ٣٢٨ وابن حبان ٤٨٧٢ من حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم في خبر صلح الحديبية المطول ، وهذا طرحه.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
