بعد هذا فأجيب بقوله : (قَوْمٌ) أي ذوو قوة على ما يحاولونه ويقومون فيه (مُنْكَرُونَ) أي حالهم لإلباسه أهل لأن ينكره المنكر ، وقدم هذا على موضعه الذي كان أليق به فيما يظهر بادي الرأي ، وإيضاحا لأن السياق لخفاء الأسباب على الآدمي وبعدها وإن كانت في غاية الظهور والقرب ولو أنه في غاية العلو فإن إنكاره لهم كان متأخرا عن إحضار الأكل لكونهم لم يأكلوا ، وهذا القول كان في نفسه ولم يواجههم به.
(فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧))
ولما أشار إلى أنه حين إنكاره لهم لم يعرف من أي نوع هم ولا خصوص ما هم فيه ، رتب على رده لسلامهم أنه أسرع غاية الإسراع في إحضار ما ينبغي للضيف على ظن أنهم آدميون فقال : (فَراغَ) أي ذهب في خفية وخفة ومواضع سترة عن أعينهم كما هو من آداب الضيافة خوفا من أن يمنعوه أو يكدر عليهم الانتظار : (إِلى أَهْلِهِ) أي الذين عندهم بقرة (فَجاءَ بِعِجْلٍ) أي فتى من أولاد البقر (سَمِينٍ) قد شواه وأنضجه (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) ولما أخبر بما ينبغي الإخبار به من أمر الضيافة إلا الأكل ، كان من المعلوم أن التقدير : فكان كأنه قيل : فماذا قال لهم حين لم يأكلوا؟ قيل : (قالَ) أي متأدبا غاية التأدب ملوحا بالإنكار : (أَلا تَأْكُلُونَ) أي منه.
ولما كان كأنه قيل : فلم يأكلوا ، سبب عنه قوله : (فَأَوْجَسَ) أي أضمر إضمار الحال في جميع سره (مِنْهُمْ خِيفَةً) لأجل إنكاره عدم أكلهم فإنه لما رأى إعراضهم عن الطعام ذهب وهمه في سبب إتيانهم إليه كل مذهب (قالُوا) مؤنسين له : (لا تَخَفْ) وأعلموه بأنهم رسل الله (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ) على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السن بعد عقمها ، وهو إسحاق عليهالسلام. ولما كان السياق لخفاء الأسباب كان في الذروة وصفه بقوله : (عَلِيمٍ) أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه.
ولما كانا بعيدين عن قبول الولد ، تسبب عن ذلك قوله ، دالّا على أن الولد إسحاق مع الدلالة على أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات : (فَأَقْبَلَتِ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
