ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار ، قال ناهيا عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرا به عنها لأنه أعظمها : (وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها وأحقرها ، فأفاد النهي عن غيره من باب الأولى ، ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ الصلاة ، فإن خالف وباع صح العقد مع عصيانه ، فإن النهي ليس لعينه ولا لما هو داخل فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق الاتفاق ، وهو ما هو فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب.
ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرا بالفعل المريض لفظا ومعنى ، رغب فيه بقوله : (ذلِكُمْ) أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك الاشتغال بالدنيا (خَيْرٌ لَكُمْ) لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم ، وألهب إلى ذلك وزاد في الحث عليه بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ) أي بما هو لكم كالجبلة (تَعْلَمُونَ) أي يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا ، فإذا علمتموه خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك لكم خيرا ، وصلاة الجمعة فرض عين على كل من جمع البلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره الفقهاء ، وإنما عبر عنها بهذا إشارة إلى أن عاقلا لا يسعه أن يترك ما يعلم أنه أعلى وجوه الخير ، وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام سقط عنه فرض من الظهر ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر ، فإنه إذا حضر يكمل به العدد.
(فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١))
ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها ، وأنه متى طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم ، بين وقت المعاش فقال مبيحا لهم ما كان حظر عليهم ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد : (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ) أي وقع الفراغ منها على أي وجه كان (فَانْتَشِرُوا) أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ذلك (فِي الْأَرْضِ) جميعها إن شئتم ، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم (وَابْتَغُوا) أي وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش (مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي زفلة الملك الأعلى
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
