وشدته وغمرته ، يصير الميت بها كالسكران ، لا يعي وتخرج بها أحواله وأفعاله وأقواله عن قانون الاعتدال ، مجيئا متلبسا (بِالْحَقِ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه من بطلان الحواس وكشف الغطاء عن أحوال البرزخ من فتنة السؤال وضيق المجال أو سعة الحال ، وقيل للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان القال : (ذلِكَ) أي هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجد (ما) أي الأمر الذي (كُنْتَ) جبلة وطبعا. ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأدواء في الغاية ، كان كأنه لا ينفر إلا منه ، فأشار إلى ذلك بتقديم الجارّ فقال : (مِنْهُ تَحِيدُ) أي تميل وتنفر وتروع وتهرب.
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦))
ولما كان التقدير : فأخذ ذلك الإنسان بالقهر من بين الأهل والإخوان ، والعشائر والجيران ، وضم إلى عسكر الموتى وهم بالبرزخ نزول ، ولانتظار بقيتهم حلول ، ولم يزالوا كذلك حتى تكامل القادمون عليهم والواصلون إليهم ، عطف عليه قوله مبنيا لإحاطة من عالم الملكوت والعز والجبروت : (وَنُفِخَ) أي بأدنى إشارة وأيسر أمر (فِي الصُّورِ) وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليهالسلام للموت العام والبعث العام عند التكامل ، وانقطاع أوان التعامل ، وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى ، وهو عليه الصلاة والسّلام التقم الصور من حين بعث النبي صلىاللهعليهوسلم وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر (١) ، فيا لها من عظمة ما أغفلنا عنها ، وأنسانا لها ، وآمننا منها ، والمراد بهذه نفخة البعث.
ولما كان ذلك الأثر عن النفخ هو سر الوجود ، وأشار إلى عظمته بقوله : (ذلِكَ) أي الوقت الكبير العظيم الأهوال والزلازل والأوجال (يَوْمُ الْوَعِيدِ) أي الذي يقع فيه ما وقع الإيعاد به.
__________________
(١) نعم كذا أخرج أحمد ١ / ٣٢٦ و ٤ / ٣٧٤ والحاكم ٤ / ٥٥٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما وأخرج أحمد ٣ / ٧ و ٧٣ والترمذي ٢٤٣١ و ٣٢٤٣ وأبو نعيم في الحلية ٥ / ١٠٥ وأبو يعلى ١ / ٧١ والحاكم ٤ / ٥٥٩ والحميدي ٧٥٤ وابن المبارك في الزهد ١٥٩٧ وابن حبان ٨٢٣ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وهو حديث حسن. وله شاهد عند الطبراني ٥٠٧٢ والخطيب في تاريخه ٥ / ١٥٣ وأبي نعيم عن زيد بن أرقم ، وأنس ، وجابر رضي الله عنهم.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
